عندما يتحول الواقع إلى دراما.. بهذه الجملة يستهل مسلسل «حكاية نرجس» أحداثه، فى إشارة واضحة إلى أن الواقع قد يكون أكثر قسوة من الأعمال الدرامية، وأن دراما الحياة كثيراً ما تتجاوز خيال المؤلفين والسيناريست.
المسلسل مستوحى من قصة حقيقية، هى قضية «عزيزة بنت إبليس» كما أُطلق على بطلتها، تلك السيدة التى اختطفت أطفالاً ونسبتهم إلى نفسها وزوجها.. ومن هنا يضع العمل المشاهد أمام دراما نفسية اجتماعية تتجاوز حدود الدراما البوليسية التقليدية القائمة على الجريمة والتشويق، لتغوص فى أعماق المجتمع وتأثيره فى تشكيل الشخصيات الإجرامية.
المخرج سامح علاء قدم رؤية مختلفة، حيث اختار لوحات فنية تمثل مشاهد العمل، بدلاً من الشكل التقليدى لتترات المسلسلات، فى محاولة لتأكيد الطابع النفسى والفكرى للعمل.
فلسفة البناء الدرامى
يعتمد المسلسل فى بنيته على نظرية تأثير الفراشة التى اكتشفها العالم إدوارد لورينتز، ومفادها أن حدثاً صغيراً قد يولد سلسلة من النتائج الكبيرة.. وهو ما يظهر منذ المشهد الأول، عندما تقوم نرجس «بتحميم» طفلين قبل اختفائهما، فى مشهد يبدو بسيطاً لكنه يحمل بذور الأحداث الكبرى التى تتكشف لاحقاً.
هنا يتضح أن كل كلمة وكل مشهد لم يأتِ مصادفة أو حشواً درامياً، بل يترتب عليه نتائج تتكشف تدريجياً مع تطور الأحداث، وهو ما نجح فى صياغته السيناريست عمار صبرى بحرفية واضحة.
حتى اسم البطلة، لم يكن اختياراً عابراً.. فـ «نرجس» مشتق من أسطورة «نارسيس» فى الميثولوجيا الإغريقية، ذلك الشاب الذى افتتن بانعكاس صورته على سطح البحيرة حتى حد الهوس، فغرق وهو يحاول الإمساك بها.. وفى المكان الذى مات فيه نمت زهرة حملت اسمه.
هذه الأسطورة أصبحت مصدر الإلهام فى تشخيص اضطراب النرجسية فى علم النفس، وهو ما ينطبق بدرجة كبيرة على شخصية نرجس فى المسلسل.
أداء يكتب شهادة نجومية
قدمت النجمة ريهام عبدالغفور أداء لافتاً يؤكد مكانتها فى صدارة نجمات الصف الأول، فقد نجحت فى ترويض ملامحها بدقة، والتنقل بسلاسة بين تعبيرات متناقضة، الإغواء، والغضب، والحقد، والحنان المصطنع.
كما حافظت على نظرات ثابتة زجاجية خالية من الروح، فى تجسيد دقيق لشخصية نرجسية سيكوباتية لا تعرف التعاطف، وتتعامل مع الآخرين كأدوات لتحقيق رغباتها.
ورغم أن الدور كان يسمح بالمبالغة فى الانفعالات والصراخ، فإن ريهام اختارت الأداء الهادئ المدروس، لتقدم شخصية ترتكب جرائمها ببرود أعصاب، دون أدنى شعور بالذنب.
تحطيم نظرية «المجرم القبيح»
بهذا الأداء، يسهم العمل فى تحطيم نظرية الطبيب الإيطالى لامبروزو، مؤسس علم الجريمة فى القرن التاسع عشر، الذى ادعى أن المجرمين يتميزون بملامح جسدية قاسية وبشعة.
لكن التاريخ الحديث أثبت أن كثيراً من القتلة المتسلسلين كانوا يتمتعون بملامح جذابة وبريئة، وهو ما ينطبق على نرجس التى تبدو جميلة كالأفعي، تتلون حسب الموقف، وتنجح فى إثارة التعاطف رغم جرائمها.
تتعامل نرجس مع زوجها عونى «حمزة العيلي» بوصفه أداة لتنفيذ مخططاتها.. ورغم أنه الشخص الوحيد الذى أحبها بصدق، فإنها تمارس عليه نوعًا من السيطرة العاطفية، عبر مزيج من الحنان والقسوة.
«عوني» بدوره شخصية هشّة، فقد نشأ فى ظروف مشابهة لنرجس، عانى فيها من غياب الأب وتفضيل شقيقه الأكبر عليه، إلى جانب إعاقته الجسدية التى عمّقت شعوره بالدونية، ما جعله فريسة سهلة فى شباكها.
الطفولة القاسية.. صناعة الوحش
يعتمد المؤلف أيضاً على تيمة هوليوودية معروفة فى بناء شخصية الشرير، ظهرت فى أحد المشاهد عندما تمسك نرجس بكوب الحليب.. وهى إشارة رمزية متكررة فى السينما الغربية ترمز إلى براءة الطفولة التى حُرم منها الشرير.
يتجلى ذلك فى علاقة نرجس بوالدتها سعاد «سماح أنور»، التى تظهر كأم قاسية تمارس حباً مشروطاً، وتزرع الفتنة بين بناتها، معتبرة نرجس الابنة الضالة التى لا تستحق الحب، خاصة بعد فشلها فى إكمال تعليمها وعدم قدرتها على الإنجاب.. هذه البيئة القاسية لعبت دوراً أساسياً فى تشكيل شخصيتها الإجرامية.
إخراج بصرى مُحكم
ينضم المسلسل إلى درر الدراما المصرية تحت قيادة المخرج سامح علاء، الذى يخوض تجربة مميزة فى الدراما التليفزيونية مستفيداً من خبرته فى الأعمال الوثائقية.
ظهر ذلك فى الدقة اللافتة فى تصوير الحقبة الزمنية التى تدور فيها الأحداث، الممتدة لأكثر من عشرين عاماً، إلى جانب الإبداع فى تصميم الديكورات والملابس التى قدمتها إيناس عبدالله.
كما جاءت الموسيقى التصويرية للموسيقار تامر كروان، معبرة ومؤثرة، مع اقتباس بعض الجمل اللحنية من مسلسل «سجن النساء»، بما خلق حالة من النوستالجيا المحببة.
أداء تمثيلى متوازن
نجح سامح علاء أيضاً فى ضبط أداء الممثلين، خاصة فى التحكم بالانفعالات واستثمار لحظات الصمت كأداة درامية تجبر المشاهد على التفكير فيما لم يُقل فى الحوار.
انعكس ذلك على أداء جميع الأبطال، من ريهام عبدالغفور إلى حمزة العيلى صاحب الأداء الرصين، مروراً بالفنانة سماح أنور التى قدمت شخصية السيدة الشعبية بهدوء وتمكن بعيداً عن المبالغة.. حتى الأدوار الثانوية جاءت اختياراتها موفقة وأسهمت فى تعزيز مصداقية العمل.
واقعية بصرية
اختيار الإضاءة الترابية «لون الشارع» عكس فهماً عميقاً للأبعاد النفسية والاجتماعية للعمل، حيث بدا المجتمع نفسه بطلًا مشاركًا فى الأحداث، يؤثر فى سلوكيات الشخصيات ويشكل ملامحها.
دراما تفرض نفسها
فى النهاية، يثبت «حكاية نرجس» أن العمل الجيد قادر على فرض نفسه بعيداً عن اللجان الإلكترونية أو المعارك الكلامية على مواقع التواصل الاجتماعي.. فالمسلسل يتقدم بهدوء وثقة، ليحجز لنفسه مكاناً متقدماً بين أنجح أعمال دراما رمضان 2026.









