كتبتُ هنا منذ سنوات أن مصر محظوظة برئيسها الجريء، لكنها ليست بالقدر نفسه محظوظة بحكومتها الخجولة. فالرئيس – حفظه الله – لا يحكم الدولة ويدير شؤونها فحسب، بل يسعى إلى إعادة بنائها من الألف إلى الياء؛ من إعادة تعريف مفهوم الدولة، إلى ترسيخ أسس بقائها، ثم إدارة شؤونها بكفاءة واقتدار. وأراه من الرجال المصلحين الذين يجود بهم الزمان بين الحين والآخر ليقودوا إصلاحات تاريخية فى بلدانهم، بما يعود بالنفع على شعوبهم.
إنه رئيس يجمع بين صفات تمنحه قوة التجرد، فلا يتردد فى اتخاذ القرار ولا يخشى إلا الله سبحانه وتعالي. وقد منحه وعيه العميق ورؤيته الثاقبة، الممزوجة بالإيمان الصادق والتجرد، بصيرة استثنائية يمكن وصفها ببصيرة الحكماء. فكثيرًا ما يبدو لى أنه يرى ما لا يراه كثيرون، ويستشرف ما قد يغيب عن الآخرين. أراه ثابتًا على الحق، مثابرًا فى إحقاقه، صبورًا على المحن والشدائد، يدافع عما يؤمن به دون هوادة أو مناورة.
الرئيس الذى عرفناه لا يعرف الالتفاف أو المراوغة أو المداهنة، ولا يلجأ إلى المؤامرات أو الحسابات الضيقة. إنه رجل عمل بالدرجة الأولي، لا يطلب من الآخرين سوى العمل، ولا ينظر إلى أسماء الناس أو مناصبهم بقدر ما ينظر إلى أعمالهم وإنجازاتهم. وقد أحببته مجردًا من أى مصلحة شخصية، والله يعلم ما فى النفوس. وهو يحمل على كتفيه جبالًا من الهموم، وليس من بينها يقينًا مسألة البقاء فى الكرسي؛ فالمؤمنون الصادقون زاهدون، وقد منحهم الله لذة الاستغناء.
ومن هنا أرى أن شكر الرجل أصبح واجبًا، فـ «من لا يشكر الناس لا يشكر الله». لكن ما يشغلنى حقًا هو سؤال طالما طرحته: لماذا لم يتعلم بعض المسؤولين من جرأة الرئيس وتجرده؟ ومن يقتفى أثره فى الصراحة والمواجهة؟ بل ومن يرتدى نظارته فى قراءة الواقع؟
يبدو أن هناك حالة من الخوف تصيب بعض المسؤولين وهم يؤدون واجباتهم، وحالة من التردد فى مواجهة الناس بالحقائق الصعبة. وربما يكون هناك نوع من الخجل لدى بعض من يشغلون مواقع المسؤولية، فيصمتون رغم أنهم يعملون بجد. غير أن العمل فى صمت، فى مجتمع كالمجتمع المصري، لا يكفى ولا يؤتى ثماره الكاملة.
لقد تحدث الرئيس فى إفطار الأسرة المصرية بصراحته المعهودة عن قضايا الطاقة والدعم والظروف الاقتصادية الصعبة فى ظل ما تشهده المنطقة من تحديات. وأنا على يقين أنه لا يغضب من النقد البناء أو الرأى الآخر القائم على المعرفة والفهم، بل يشجعه ويدعو إليه. لكنه، فى المقابل، يرفض أن يتصدر المشهد من يتناول قضايا الأمة دون أدوات علم أو تحليل.
فالوعى الحقيقى لا يتشكل إلا بالمصارحة الصادقة، بعيدًا عن دغدغة مشاعر الجماهير بشعارات زائفة أو كلمات قد تكون مضللة. لذلك أكتب هذه الكلمات شكرًا للرئيس، ودعاءً له بالتوفيق، وفى الوقت ذاته دعوةً لكل مسؤول فى الدولة أن يقتفى أثره فى الصراحة والعمل. كما أدعو كل من يستخدم الكلمة، مكتوبة أو منطوقة، أن يتقى الله فى مصر، وأن يجعل الحقيقة والضمير بوصلته الأولى.









