تتعاقب العقود على عتبات المحروسة، فتتآلف حجارة المساجد لتنسج ثوباً من وقار يزين عنق التاريخ.. وفى رحاب الأزهر الشريف، يطل مسجد «محمد بك أبوالدهب» كتلميذ نجيب أراد أن يجاور أستاذه، فاستعار من هيبته قبسًا، ومن جلاله ملمحًا، ليبرهن على عصر اختلط فيه طموح المماليك ببريق الذهب وصفاء العبادة.
لم يفت المؤرخون ذكر ذاك المسجد الذى جاور البهاء والشموخ، فوثقوا تفاصيله بإعجاب وانبهار شديدين.. جاء ذكره فى كتاب «الخطط التوفيقية الجديدة» للمؤرخ على مبارك، إذ قال عنه: «هذا المسجد من أعظم المساجد وأفخمها، وهو مقام على دكاكين، وله منارة مربعة عظيمة، وفيه خزانة كتب ومدرسة وتكية».
يقع المسجد فى قلب منطقة الدرب الأحمر، وتحديدًا فى «ميدان الأزهر».. يواجهه الباب الرئيسى للجامع الأزهر المعروف بـ «باب المزينين» ـ أكبر الأبواب الثمانية للجامع الأزهر ــ مما جعل موقعه الجغرافى تحديًا معماريًا ووجاهة اجتماعية وسياسية كبرى فى عصره.
بنى المسجد فى عام 1774م، وكان الدافع وراء إنشائه هو رغبة «محمد بك أبوالدهب» فى بناء مجمع تعليمى ودينى ينافس فى مكانته الجامع الأزهر الشريف.. أراد أبوالدهب أن يثبت سلطته كحاكم فعلى لمصر فى تلك الفترة، فجعل مسجده مدرسة لتدريس المذاهب الأربعة، وألحق به مكتبة وتكية لإطعام الفقراء، ليكون بمثابة «جامعة» مصغرة تجذب العلماء والطلاب، مخلدا بذلك اسمه فى صحائف الخير والسياسة معًا.
يعتبر المسجد من المساجد «المعلقة»، أى أنه بنى فوق طابق من المحلات التجارية التى كان ريعها يخصص للإنفاق على المسجد، ويمثل مرحلة انتقالية، حيث يجمع بين تخطيط المساجد العثمانية، من حيث القبة المركزية الكبيرة، والروح المصرية المملوكية فى الزخارف والمآذن.
تتوسط المسجد قبة ضخمة جدًا تعد من أجمل قباب القاهرة، أما مئذنته فهى فريدة بتصميمها المربع، وتعتبر من أواخر المآذن الكبرى التى بنيت فى العصر العثمانى بتأثير مملوكى واضح.. ويزدان بمحراب رخامى بديع ومنبر خشبى مطعم بالصدف والسن، مما يعكس البذخ الذى ميز عصر «أبوالدهب».
ومحمد أبوالدهب هو محمد بك المنفصل عن سيده على بك الكبير، والذى صار الرجل الأقوى فى مصر أواخر القرن الثامن عشر.. لقب بـ «أبوالدهب» لأنه عندما تقلد منصب «شيخ البلد»، خرج فى موكب مهيب ونثر الذهب على الفقراء فى الشوارع، فالتصق به هذا اللقب كناية عن الثراء والكرم.
قال عنه المؤرخ عبدالرحمن الجبرتى فى كتابه «عجائب الآثار فى التراجم والأخبار»: «كان محمد بك هذا شهمًا شجاعًا، محبًا للعلماء والفضلاء، وبنى مسجده تجاه الجامع الأزهر وألحق به مكتبة حافلة بالكتب النفيسة، وكان يراعى الفقراء والمجاورين بالأزهر».









