قطار الحياة ينطلق بك سريعاً كالبرق الخاطف بمجرد أن تتواجد فيه لا يتوقف فى الطريق إلى أن يصل بك إلى المحطة الأخيرة والنهائية دون أن تصدق أنك وصلت لتشعر بالذهول والصدمة من سرعة الوصول لتندب حظك على ما فاتك دون أن تحقق ما كنت ترجوه وأجلت تنفيذه كثيراً فلم يعطيك الفرصة لتحقيق ما كنت تريده لانشغالك بالتكالب على أعباء الحياة والمشاكل والخلافات والصراعات واللهو فى أشياء كثيرة سرقت منك الأيام
فالرحلة فى هذه الحياة قصيرة جداً حتى ولو توهمت إنها طويلة هكذا تمر مراحل العمر تبدأ من مولدك طفلاً ثم تكبر شيئاً فشىء تبدأ مراحل التعليم إذا قدر لك ان تستمر وتبقى حتى الوصول إلى الجامعة ثم بعدها مراحل العمل والكفاح والزواج وتكوين أسرة لتدخل فى دوامة وعراك وصراع الحياة وهكذا إلى أن يصل بك القطار إلى آخر محطة لتصبح شيخاً وكهلاً وتسمع من يقول يا عم الحاج يتعامل معك المجتمع باستحياء شديد وعطف واحترام للتقاليد والعرف الذى يرى البعض أنه أصبح غير موجود حالياً ولكن أؤكد أنه الحمد الله ما زال موجوداً بقوة
والحقيقة المؤكدة أن الحياة لن تدوم لأحد وسيأتى يوم ستترك فيه كل شىء فى الدنيا بما فيها وستكون مجرد سطر فى ذاكره بعض الناس فأسماؤنا وأشكالنا سوف يطويها النسيان فلماذا نطيل التفكير فى الدنيا وننشغل بها لتطوينا الأيام والليالى والشهور ولا نفوق إلا بعد فوات الأوان لأن وجودنا ليس سوى لحظة فى عمر الكون ستنتهى وتنقضى فى طرفة عين ليأتى من بعدنا عشرات الأجيال كل جيل يودع الدنيا على عجل ويسلم الراية للجيل الثانى فلنعرف أن حجمنا فى هذه الدنيا وزمننا الحقيقى فى هذا الكون هو أقل مما نتخيل وأقصر مما نتصور قبل أن نحقق ربع أحلامنا.
فالدنيا هى بمثابة منزل الإيجار مهما ظننت أنك تملكها فأنت وأهم ومهما فعلت فيها فأنك سوف تتركها يوماً ما والآخرة هى منزل تمليك بيدك أن تحسن بناءه لأنك ستمكث فيه تحت الأرض زمناً لا يعلم مداه إلا الله فلن تتمكن من القيام بأن أى عمل تنتفع به والمفارقات فى هذه الحياة متناقضة وغريبة فهناك ناس يعيشون معنا بسطاء لا مال ولا جاه ولا منصب فى هذه الدنيا الفانية ولكن ممتلكاتهم فى السماء عظيمة قصورهم تبنى وبساتينهم تزرع بينما هناك ناس آخرون فى منصب وجاه كان همهم الدنيا انشغلوا بجمع المال وبناء القصور والبساتين وعاشوا فى النعيم والملذات دون الرجوع إلى الله وإعطائه حقه من العبادات والأعمال الصالحة حتى سرقهم العمر.
لذا فإن الإكثار من العمل الصالح هو الضمان للآخرة ولنعمل فى الحياة على مبدأ كن محسناًً إن لم تلق إحساناً لأن الله يحب المحسنين ونبتعد عن الضغائن والكراهية والحقد لتحتفظ بقلبك نقياً فالحياة لا يجب أن تضيعها فى الكراهية والمشاحنات والصراعات وهنا أتذكر ما قاله الدكتور مصطفى محمود فى أحد كتبه كلنا نخرج من الدنيا بحظوظ متقاربة وشبه متساوية بالرغم ما يبدو فى الظاهر من بعض الفوارق من غنى الأغنياء وفقر الفقراء فحصولهم النهائى من السعادة والشقاء اليوم متقارب فالله يأخذ بقدر ما يعطى ويعوض بقدر ما يحرم وييسر بعد ما يعسر ولو اطلع كل مننا على قلب الآخر لأشفق عليه.
فلو تذكرنا مشاهد دفن الموتى فى القبور لا نتابنا الفزع كل لحظة من لحظة إغلاق القبر وإسراع الناس لدفن ميتهم أعلى القبر نشاهد من هو يبكى ومن هو حزين وآخر لا يبالى وهناك من يقوم بإغلاق القبر بشدة وكأنهم يخشون خروجه وما هى إلا لحظات ودقائق ليخلو المكان ويسود الصمت والهدوء وفى الداخل فهناك من هو ينعم ليرى مقعده من الجنة وهناك من يصرخ من ضيق المكان وظلمته ومن الهول والفزع.









