فى خضم التوترات المتصاعدة فى الشرق الأوسط، ظهرت خلال الفترة الأخيرة روايات إعلامية متضاربة تتحدث عن إمكانية قيام إيران باستهداف ولاية كاليفورنيا الأمريكية بطائرات مسيّرة. وقد أثارت هذه الروايات كثيراً من الجدل، ليس فقط بسبب خطورتها، بل أيضاً بسبب الارتباك الواضح فى طريقة طرحها وتوقيت تداولها.
>>>
ففى عالم السياسة والاستخبارات، لا تُقرأ مثل هذه الأخبار دائماً بمعناها الظاهري، بل تُفحص فى ضوء ما يُعرف فى الدراسات السياسية باسم «نظرية العَلَم الكاذب». ويشير هذا المفهوم إلى عمليات تُنفذها جهة ما ثم تحاول إلصاقها بطرف آخر، بهدف خلق ذريعة سياسية أو عسكرية، أو دفع دولة ما إلى اتخاذ قرار لم تكن لتتخذه فى الظروف الطبيعية.
>>>
التاريخ يقدم أمثلة عديدة على هذا النوع من العمليات، من بينها فضيحة «لافون» عام 1954، عندما حاولت خلية مرتبطة بالمخابرات الإسرائيلية تنفيذ تفجيرات فى منشآت غربية داخل مصر بهدف إلصاق التهمة بالمصريين وإفساد العلاقات بين القاهرة والغرب. وقد كشفت السلطات المصرية العملية آنذاك، لتتحول إلى أزمة سياسية كبرى داخل إسرائيل.
>>>
وعند النظر إلى الروايات الأخيرة المتعلقة باستهداف كاليفورنيا بطائرات مسيّرة، يبرز سؤال مشروع: لماذا يُطرح هذا السيناريو الآن؟ ولماذا يجرى تداوله بطريقة تبدو أحياناً وكأنها تمهيد نفسى وإعلامى لخطوات أكبر؟
>>>
بعض التحليلات ترى أن مثل هذه السرديات قد تُستخدم كوسيلة للضغط على الولايات المتحدة من أجل توسيع نطاق المواجهة مع إيران، وربما دفعها نحو تدخل عسكرى أعمق. وفى هذا السياق، يعتقد بعض المراقبين أن إسرائيل قد تكون من أكثر الأطراف اهتماماً باستمرار التصعيد، خشية أن تتجه واشنطن فى لحظة ما إلى تهدئة الصراع أو إعلان وقف للحرب.
>>>
ومن هذا المنظور، يخشى بعض المحللين من احتمال استخدام فكرة «العَلَم الكاذب» كأداة لتوريط الولايات المتحدة فى مواجهة مباشرة مع إيران. فحدوث هجوم كبير يُنسب إلى طهران – خصوصاً إذا استهدف الأراضى الأمريكية – قد يخلق ضغطاً سياسياً وشعبياً هائلاً يدفع واشنطن إلى الرد العسكري.
>>>
ولا يقتصر القلق هنا على الأراضى الأمريكية وحدها. ففى منطقة مليئة بالقواعد العسكرية والممرات الحيوية للطاقة، يمكن لأى حادثة غامضة فى دول الخليج أو فى البحر أن تتحول سريعاً إلى شرارة تصعيد واسع.
>>>
لهذا السبب، يدعو كثير من الخبراء إلى التعامل بحذر شديد مع مثل هذه الروايات، وعدم الانسياق وراء الاتهامات السريعة قبل ظهور أدلة واضحة. فالتاريخ يعلمنا أن الحروب الكبرى كثيراً ما تبدأ بسردية، قبل أن تبدأ بالرصاصة الأولى.
>>>
وفى عالم تتشابك فيه الاستخبارات والدعاية والسياسة، تبقى الحقيقة أحياناً الضحية الأولى. لذلك يصبح الوعى والتحليل الهادئ ضرورة، حتى لا تتحول المنطقة – والعالم – إلى مسرح لحرائق تُشعلها روايات قد لا تكون بريئة فى أصلها









