تضم مكتبة الإسكندرية مجموعة متميزة من المقتنيات الأثرية والفنية التي تعكس جوانب متعددة من تاريخ الحضارات، وتبرز ما شهدته من تطور فني ومعماري عبر العصور. ومن بين هذه الكنوز، يحتفظ متحف الآثار بالمكتبة بقطع فريدة توثق جوانب من الحضارة الإسلامية وما تميزت به من إبداع في العمارة والفنون.
ومن أبرز هذه القطع لوح رخامي مميز يمثل واجهة سبيل من نوع “المصّاصة”، وهو سبيل معقود من أعلى، كان يُستخدم قديمًا لتوفير مياه الشرب للمارة مباشرة عبر أنبوب يُشرب منه بالمص، ومن هنا جاءت تسميته. ويتميّز هذا النوع من الأسبلة بزخارف فنية رائعة تنتمي إلى طرازي الباروك والروكوكو، اللذين عُرفا في العمارة العثمانية باسم “الجشم”. ومن أشهر أمثلة هذا الطراز سبيل السلطان أحمد الثالث في إسطنبول، الذي يُعد تحفة معمارية تجمع بين الفخامة وثراء الزخرفة.
وتحمل بعض ألواح الأسبلة نصوصًا تأسيسية منفذة بخط الثلث، تتضمن اسم المنشئ وتاريخ الإنشاء. ومن بينها لوح مؤرخ بسنة 1295هـ، يذكر أنه إهداء من الخديوي توفيق، بما يعكس استمرار هذا التقليد الخيري إلى العصر الحديث.
وتُعد الأسبلة من أجمل وأهم نماذج العمارة المائية في الحضارة الإسلامية؛ إذ لم تكن مجرد منشآت لتوفير الماء، بل مثلت مؤسسات خيرية ومعمارية حملت في الوقت نفسه رسالة رحمة وجمال. وقد ارتبط ظهورها بفكرة الصدقة الجارية، إذ عُدَّ إرواء العطشان من أعظم أعمال البر، انطلاقًا من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «وفي كل كبدٍ رطبةٍ أجر». لذلك حرص السلاطين والأمراء وأهل الخير على تخصيص جزء من أموالهم لبناء أسبلة توزع الماء مجانًا، لا سيما في المدن الكبرى والمناطق التي تقل فيها موارد المياه.
ولم يكن السبيل مجرد موضع لتوزيع المياه، بل كان مبنى يُقام غالبًا في قلب المدينة، عند تقاطع الطرق أو بجوار المساجد والمدارس، ليخدم أكبر عدد ممكن من الناس. وكثيرًا ما كان يُلحق به “كُتّاب” في الطابق العلوي لتعليم الأطفال القرآن الكريم، فيجتمع في المبنى عملان جليلان: سقيا الماء ونشر العلم.
وقد أبدع المعماريون المسلمون في تصميم الأسبلة، فزينوا واجهاتها بالآيات القرآنية والعبارات التي تمجد الكرم والإحسان، إلى جانب الزخارف الهندسية والنباتية الدقيقة، واستخدام الرخام الملون والنقوش البديعة. وبذلك أصبح السبيل عنصرًا جماليًا يثري المشهد الحضري، ولا يقل أهمية عن المساجد والقصور.
واختلفت الأسبلة في العصر المملوكي عنها في العصر العثماني. ففي العصر المملوكي، الممتد بين عامي 1250 و1517م، كان السبيل غالبًا مبنى صغيرًا ملحقًا بمسجد أو مدرسة، أو قائمًا في أحد الشوارع، ويحصل الناس منه على الماء عبر نافذة مزخرفة تُعرف بالشباك. وتميزت أسبلة هذا العصر بكثرة الزخارف الهندسية والنباتية، واستخدام الرخام الملون، وتسجيل الآيات القرآنية على الواجهات. ومن أشهرها سبيل مسجد ومدرسة السلطان حسن بالقاهرة، وسبيل الأمير طاز بشارع السيوفية.
أما في العصر العثماني، فقد تطورت الأسبلة وأصبحت أكثر فخامة واتساعًا، وغالبًا ما دُمج السبيل مع الكُتّاب في مبنى من طابقين. وتميزت أسبلة هذا العصر باستخدام الرخام الفاخر، والنوافذ البرونزية المزخرفة، وألواح الوقف الرخامية المثبتة أعلى الواجهة. ومن أشهر أمثلتها في القاهرة سبيل محمد علي بشارع المعز أمام الجامع الأزهر، وسبيل عبد الرحمن كتخدا، وكذلك سبيل أم عباس بشارع الصليبة.
وهكذا ظل السبيل، عبر العصور، رمزًا للعطاء في الحضارة الإسلامية، جامعًا بين الوظيفة العملية والجمال الفني والرسالة الدينية، ليؤكد أن الماء لم يكن مجرد مورد للحياة، بل وسيلة للتقرب إلى الله، وعنوانًا للذكر الطيب في ذاكرة المدن.









