كم مليار صورة التقطها سكان عالمنا المعاصر هذا العام وكم مليون صورة تم التقاطها خلال الشهور الأولى من عام 2026 في مجتمعنا؟ كم صورة عبرت عن لحظات المرح والبراءة والفرح، وكم عبرت أخرى عن الخطر والعنف والخوف وتم توثيقها كواقعة؟ هل صار وجودنا الإنساني مرهوناً بما نشاهده من صور تحمل تاريخاً من الألم والسعادة لكن كما قال الفيلسوف الألماني (شوبنهاور)، للألم تاريخ أما السعادة فهي لحظة.
هذه الصورة التي تصورناها طفلا بريئاً يلهو بلعبة التصوير يفاجئنا في كثير من الأحيان بوحش يختبئ داخل الصورة يكاد يلتهمنا قلقاً وخوفاً ورعباً.
تبدو الصورة أشبه ما تكون سحراً أسوداً أو تعويذه يمكن أن تقلب حياتنا في بعض الأوقات رأساً على عقب. في الآونة الأخيرة انتشرت مجموعة من الصور والفيديوهات لحوادث في أماكن متفرقة، و صار من مهام الجهات الأمنية تتبعها والكشف عن محتواها وتعقب الحياة لمقاضاتهم.
وهنا لم يعد الأمر مجرد ضبط الجناة في واقعة حية محددة، بل أصبح الأمر متابعة أمنية دقيقة لما ينشر على وسائل التواصل الاجتماعي، وما يصنع “تريند” من هول صدماته، ومن ثم حالة من القلق والتوتر المجتمعي تجاه الغابة المجتمعية الممتلئة بوحوش كشفت عنها الصور.
لم يعد التصوير هواية يمارسها المجتمع الحالي، وتنقلنا من عصر الكتاب أو الكلمة المقروءة إلى عصر فائق في حداثته من حيث التدفق والسيولة، ومن حيث الترويع والرعب أيضاً.
فالصورة التي عرفناها ملكية خاصة على المستوى الشخصي والإعلامي صارت ملكية عامة يتم تداولها عبر فضاء العالم الشاسع. اصبحت الأكثرية من الناس يستيقظون من نومهم، وينتظرون صور اليوم ليدور النقاش والحوار الذي يصاحبه تعليقات الإدانة والمطالبة بالعقاب، بل وأحياناً اللامبالاة بما يحدث باعتباره حدثاً يومياً معتاداً وبانتظار تدخل الأجهزة المعنية ليكتمل حديث الصباح والمساء.
وتقول الفيلسوفة والروائية والمخرجة السينمائية (سوزان سونتاج) أن التصوير يعني التأطير، والتأطير يعني الاستعباد.
إن الصورة تفرض إطارها الساحر عندما يستمتع بها الفرد منعزلاً عن الآخرين، ومع هذا الاستمتاع يأتي ألم الاستعباد الخاص في ظل استحواذ المشاهدة الدائمة.
وعندما تحدث (أرسطو) عن الرؤية الفاضلة للعين ، أي ما تقع عليه العين أو نظرتها للأشياء من خلال الفضيلة، ومن ثم الفرز والحكم، فإنه لم يتخيل أن الفضيلة تم استبدالها بقبح الرؤية أو الرذيلة في عالمنا المعاصر.
يبسط وحش الصورة الذي يشبه الأخطبوط بأذرعه المتعددة نفوذه وسيطرته على المجتمع الثقافي بأسره، في المسرح والرواية والسينما والأغنية والأحداث بمستوياتها وتعدديتها المختلفة.
نحن محاصرون بالصورة أمام الشاشات وفي الشارع حيث اللافتات وفاترينات العرض ولقطات الحروب المتفرقة ومع “التريند” لتسقط هيبة الصورة بدلالاتها الإنسانية الخاصة والعامة، ويحل محلها اللامبالاة أو التكرار أو الاعتياد لتبرز انعزالية الأنانية ما عدا لحظات عابرة تختفي فيها مع الألم الجماعي لتعاود من جديد سيرتها الأولى مع الفردية والأنانية.









