قبل عشر سنوات، وفي مثل هذه الأيام تقريبًا، نشرت جريدة «أخبار اليوم» تقريرًا صحفيًا موسعًا حول الوضع الصعب لشركة “مصر للألومنيوم” بنجع حمادي؛ فبعد تراكم الأزمات وتزايد الخسائر وارتفاع تكلفة الطاقة، بدا أن واحدة من أكبر قلاع صناعة الألومنيوم في العالم تقف على حافة الانهيار.
هذا المصنع، الذي مثّل رمزًا للصناعة الوطنية ومصدر فخر لآلاف الأسر المصرية منذ مطلع سبعينيات القرن الماضي، كان يواجه لحظة اختبار قاسية تهدد مستقبله ومستقبل صناعة استراتيجية كبرى.
أما اليوم، فتبدو الصورة مختلفة تمامًا؛ فالشركة التي كانت تصارع التحديات أصبحت بقيادة المهندس محمود عجور تحقق نتائج مالية قوية، إذ تجاوزت إيراداتها 11 مليار جنيه، وتحول سهمها في البورصة المصرية إلى أحد أكثر الأسهم قوة واستقرارًا، رغم التقلبات الاقتصادية والجيوسياسية التي تشهدها المنطقة.
بالنسبة لي، الحديث عن هذه الشركة ليس مجرد تحليل اقتصادي، بل هو حكاية شخصية بامتياز؛ فأنا ابن لرجل كان من قيادات الرعيل الأول الذين شاركوا مع أسرهم في بناء هذه القلعة الصناعية منذ لبناتها الأولى. كبرتُ وأنا أشاهد هذا الكيان ينمو حتى وصل للعالمية، وعشت نصف عمر طفولتي وشبابي في مجتمع نجع حمادي الذي تشكّل حول هذا المشروع العملاق.
لذا، فإن رؤية الشركة تستعيد عافيتها اليوم تثير في نفسي مشاعر خاصة؛ فهي ليست مجرد أرقام في ميزانية، بل هي قصة أجيال من العمال والمهندسين الذين أفنوا أعمارهم لبناء هذا الصرح.
ولا شك أن زيارة رئيس مجلس الوزراء، الدكتور مصطفى مدبولي، للمصنع في يناير الماضي، حملت رسالة واضحة بأن الدولة تدرك قيمة هذه القلعة؛ حيث أكد دعم الحكومة لتطوير الشركة وتعزيز الإنتاج والتصدير، ما يعكس رؤية وطنية للارتقاء بالصناعات الاستراتيجية.
لكن، يبقى هناك تحدٍ جوهري يتمثل في “ملف العمالة”. فوفق البيانات، يبلغ عدد العاملين المثبتين نحو 5000 موظف، بعد أن كان العدد 11 ألفًا في مطلع القرن الحالي، بينما يعمل نحو 3000 عامل مؤقت عبر شركات “توريد العمالة”. هؤلاء يقومون بأعمال أساسية في واحدة من أصعب الصناعات وأكثرها خطورة على الصحة، ومع ذلك، لا يتجاوز متوسط دخلهم 4000 جنيه شهريًا، رغم أن الحد الأدنى للأجور المعلن هو 6000 جنيه.
إن المفارقة تكمن في أن هؤلاء العمال اكتسبوا خبرات تمتد لأكثر من عقد، وأصبحوا جزءًا لا يتجزأ من منظومة الإنتاج. لذا، فإن استدامة نجاح “مصر للألومنيوم” تتطلب معالجة هذا الملف، ومراجعة القانون (203) الذي يحكم شركات قطاع الأعمال، بما يضمن الحفاظ على الخبرات ويحقق العدالة للعاملين.
لقد نجحت الدولة في إعادة القلعة الصناعية إلى طريق التعافي.. ويبقى التحدي القادم هو الحفاظ على هذا النجاح، لتظل “مصر للألومنيوم” نموذجًا يجمع بين إرادة الدولة وعرق وخبرة العمال.









