الوعى هو حائط الصد الأول فى مواجهة المؤامرات ضد الدولة المصرية على مر العصور لم تكن مصر مجرد دولة عادية على الخارطة السياسية، بل كانت دائمًا «قلب العالم» النابض، وهو ما جعلها مطمعاً للقوى الاستعمارية والمخططات الخارجية التى لا تهدأ. اليوم وفى ظل عالم يموج بالاضطرابات والحروب السيبرانية والجيل الرابع والخامس من الحروب، أصبحت الضرورة الوطنية تحتم على كل مصرى أن يكون على قدر عالٍ من الوعى بالمؤمرات التى تحاك ضد وطنه، ليس من باب «نظرية المؤامرة» الهشة، بل من باب القراءة الواقعية للتحديات الجيوسياسية والأمنية.
مصر ليست مجرد رقعة جغرافية، بل هى عمود الخيمة فى الشرق الأوسط وأفريقيا. استقرارها يعنى استقرار المنطقة واهتزازها لا قدر الله يعنى فوضى عارمة تمتد آثارها للعالم أجمع. تكمن أهمية مصر فى الموقع الإستراتيجى وبها أهم ممر ملاحى عالمى «قناة السويس» ومصر لديها قدرة على صياغة التوازنات فى ملفات شائكة كالقضية الفلسطينية، والأمن فى ليبيا والسودان.
هذه العوامل تجعل من «إضعاف» الدولة المصرية هدفاً إستراتيجياً لبعض القوى التى لا تريد لمصر أن تستعيد ريادتها الكاملة أو أن تملك قرارها المستقل.
لم يعد العدو يطرق الأبواب بجيوش جرارة وعتاد ثقيل فقط؛ فالحروب الحديثة تعتمد على تآكل الدولة من الداخل. إن الوعى المصرى يجب أن يدرك أن المؤامرات الحالية تستهدف «العقل» قبل الأرض، وذلك من خلال بث الإحباط والتشكيك. والعمل الممنهج على التقليل من قيمة أى إنجاز وطني، ونشر روح الهزيمة النفسية بين الشباب، وتصدير صورة مفادها أن «المستقبل مظلم». إضافة إلى محاولة اللعب على أوتار التفرقة بين أبناء الشعب الواحد، أو تأجيج الصراعات الاجتماعية لضرب التماسك المجتمعي. وكذلك يتم استخدام منصات التواصل الاجتماعى كمنصات لإطلاق أخبار كاذبة تستهدف زعزعة الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة «الجيش، الشرطة، والقضاء».
«إن أخطر ما يواجه الأوطان ليس العدو الخارجى المسلح، بل الإنسان الذى يعيش فى الداخل ويعمل بوعى أو بدون وعى على هدم أركان بيته.»
وعلى المواطن المصرى أن يدرك طبيعة الحزام الملتهب الذى يحيط بمصر. من الغرب «ليبيا»، والجنوب «السودان»، والشرق «فلسطين». هذه الصراعات ليست وليدة الصدفة، بل هى نتاج مخططات تهدف إلى حصر الدولة المصرية فى «زاوية الدفاع» الدائم عن حدودها، واستنزاف مواردها الاقتصادية والبشرية فى عمليات التأمين ومنع تسلل الإرهاب.
الوعى هنا يعنى إدراك أن الأمن القومى المصرى لا يبدأ من الحدود الجغرافية فقط، بل يمتد ليشمل منابع النيل، وأمن البحر الأحمر، واستقرار الجوار العربي. كل ضغط يمارس على مصر فى ملف السد الأثيوبى أو فى ملف «التهجير القسري» للفلسطينيين هو جزء من ضغوط سياسية كبرى تهدف للى ذراع الدولة المصرية.كما أن هناك محاولات لضرب العملة الوطنية، أو التلاعب بأسعار السلع، أو التحريض على عدم الاستثمار، هى أدوات تهدف لخلق حالة من السخط الشعبي.
الوعى فى هذا الجانب يتطلب من المواطن: التحلى بالمسئولية فى الاستهلاك وعدم الانسياق وراء دعوات التخريب الاقتصادي، فهم أن الصمود الاقتصادى هو جزء لا يتجزأ من الكرامة الوطنية.
إن بناء «حائط صد» من الوعى ليس مسئولية الدولة وحدها، بل هو عقد اجتماعى يشترك فيه الجميع فالإعلام المسئول الذى يقدم الحقائق الموثقة ويفند الأكاذيب بأسلوب علمى ومنطقى بعيداً عن الشعارات الجوفاء.
والمؤسسات التعليمية تزرع قيم الانتماء وتعريف الأجيال الجديدة بتاريخ مصر فى التصدى للمؤمرات منذ الهكسوس وحتى الإرهاب الحديث.
والأسرة المصرية هى الحصن الأول، فعلى الآباء مراقبة المحتوى الذى يتعرض له الأبناء على الإنترنت، وتوعيتهم بكيفية التمييز بين «النقد البناء» وبين «الهدم الممنهج».
إن مصر بعبق تاريخها وعظمة شعبها، قادرة على دحر أى مؤامرة كما فعلت عبر آلاف السنين. لكن الثمن يكون دائماً أقل عندما يكون الشعب واعياً، يدرك الخيط الرفيع بين المشكلات الداخلية الطبيعية وبين الاستهداف الخارجى الخبيث.
الوعى هو السلاح الذى لا يصدأ، وهو الضمانة الوحيدة لبقاء الدولة المصرية قوية، أبية، ومستقرة. فليكن كل مواطن هو «رجل أمن» فى موقعه، يحمى عقله من التزييف، ويحمى وطنه من المتربصين.
وللحديث بقية.









