ليست الديمقراطية مجرد انتخابات تُجرى كل عدة سنوات، بل منظومة تبدأ من أبسط مستويات الإدارة، الشارع والحى والقرية، حيث يرى المواطن يوميًا كيف تُدار الخدمات العامة.
هناك يتشكل المعنى الحقيقى للحكم المحلي، حين يصبح المواطن شريكًا فى الرقابة والمساءلة، لا مجرد متلقٍ للقرارات.
مؤخرًا عاد الحديث بقوة عن ملف المجالس المحلية بوصفه أحد أهم ملفات الإصلاح الإدارى المؤجلة، فالسؤال الذى يطرحه كثير من المواطنين بسيط فى ظاهره لكنه عميق فى دلالته، من يراقب الإدارة الأقرب إلى حياة الناس؟
بحسب بيانات الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء تضم مصر 27 محافظة ونحو 92 مركزًا إداريًا وأكثر من 225 مدينة وما يقرب من 4700 قرية رئيسية، إضافة إلى ما يزيد على 30 ألف تجمع ريفى من نجوع وكفور وعزب، وفى هذه المساحات يعيش معظم المصريين وتُدار الخدمات اليومية التى تمس حياتهم مباشرة، من الطرق المحلية والنظافة إلى المرافق والتعليم والصحة، كما يعمل فى منظومة الإدارة المحلية ما يقارب مليون موظف، وهو رقم يعكس حجم الجهاز الإدارى المسئول عن إدارة تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين.
ورغم هذا الاتساع الكبير، ظلت المجالس المحلية المنتخبة مؤجلة منذ أكثر من عقد، وفى غيابها تصبح العلاقة بين المواطن والإدارة المحلية علاقة بيروقراطية مباشرة، لا تمر عبر قناة تمثيلية منتخبة تستطيع نقل مطالب الناس أو ممارسة رقابة حقيقية على الأداء التنفيذي.
فى التجارب الحديثة للحكم المحلى تشارك المجالس المنتخبة فى تحديد أولويات الإنفاق المحلى ومتابعة تنفيذ المشروعات والخدمات، ففى السويد مثلًا يقترب الإنفاق المحلى من نصف الإنفاق الحكومي، بينما يتجاوز فى الدنمارك 60 ٪ الفكرة هنا ليست مجرد نقل السلطة من المركز إلى الأطراف، بل تقريب القرار من المواطن بحيث تصبح الإدارة أكثر قدرة على فهم احتياجات المجتمع والاستجابة لها.
لقد شهدت مصر خلال السنوات الأخيرة طفرة ملحوظة فى مشروعات البنية التحتية والتنمية، لكن التجربة العالمية تؤكد أن التنمية لا تُدار من العاصمة وحدها، بل تحتاج إلى عين قريبة تتابع التفاصيل اليومية، فنجاح أى مشروع لا يقاس فقط بحجمه أو تكلفته، بل بقدرته على تحسين حياة الناس فى القرى والأحياء، «طريق يحتاج صيانة، مدرسة تعانى من كثافة الفصول، شبكة صرف تحتاج تطويرًا» هذه التفاصيل الصغيرة هى جوهر الإدارة المحلية.
منطقيا تبدأ الحياة السياسية من العمل المحلي، فكثير من القادة فى أوروبا والولايات المتحدة بدأوا حياتهم العامة فى المجالس البلدية قبل الوصول إلى المواقع الوطنية، فالعمل المحلى يمثل مدرسة حقيقية للإدارة والسياسة، وغيابها لفترة طويلة فى مصر ترك فراغًا واضحًا فى مسار إعداد القيادات الجديدة.
لهذا فإن عودة المجالس المحلية ليست مجرد استحقاق دستورى مؤجل، بل خطوة ضرورية لبناء إدارة حديثة تقوم على المساءلة والمشاركة والشفافية، فالدولة القوية لا تخشى الرقابة الشعبية، بل تستند إليها، وحين يجد المواطن صوته فى إدارة شئون قريته أو مدينته يصبح أكثر إيمانًا بمؤسسات دولته وأكثر استعدادًا للمشاركة فى بناء مستقبلها.









