حين اتخذت الحكومة المصرية إجراءات استثنائية لمواجهة الارتفاعات العالمية فى أسعار المحروقات، تفهّم كثيرون هذه القرارات، إدراكًا لظروف اقتصادية صعبة وتداعيات حرب وأزمات دولية تضغط على مختلف الاقتصادات. لكن فى المقابل، برزت مشكلة لا يمكن إنكارها فى إدارة الأسواق وضبطها، وهى الارتفاع الفورى وغير المبرر لأسعار معظم السلع بمجرد الإعلان عن زيادة أسعار الوقود.
>>>
المشهد كان لافتًا؛ فبمجرد إعلان الزيادة التى بلغت ثلاثة جنيهات فى أسعار المحروقات، سارع بعض التجار إلى رفع أسعار كل شيء تقريبًا: السيارات، الأجهزة الكهربائية، السلع الغذائية، وحتى أبسط المنتجات مثل حزمة الفجل أو الجرجير. كما ارتفعت تكاليف وسائل النقل الخاصة بشكل ملحوظ. هذه الزيادات لم تكن دائمًا مرتبطة بتكلفة حقيقية، بل جاءت فى كثير من الحالات بدافع استباقى أو بدافع الجشع.
>>>
المفارقة أن جزءًا كبيرًا من هذه السلع موجود بالفعل فى مخازن التجار، وقد تم إنتاجه أو استيراده وفق تكاليف سابقة لم تتأثر بقرار رفع أسعار الوقود. هذه السلع لها تكلفة محسوبة، وقد حقق التجار فيها هامش ربح مناسباً بالفعل. لذلك يظل السؤال مشروعًا: لماذا يتم رفع أسعارها فورًا وكأنها أُنتجت وفق التكلفة الجديدة؟
>>>
لا أحد يعترض على أن السلع التى يتم إنتاجها لاحقًا فى ظل ارتفاع تكلفة الطاقة قد تتحرك أسعارها بقدر معلوم يعكس التكلفة الجديدة. هذا أمر منطقى فى الاقتصاد. لكن أن يتم تعميم الزيادة على المخزون القديم أيضًا، فهذه حالة من الطمع يصعب تبريرها. فوعظ الضمير، أو الدعوة إلى «الربح المعقول»، أو الحملات الإعلامية التى تتحدث عن البركة فى التجارة، لن تكون كافية إذا غاب الضبط الحقيقى للأسواق.
>>>
هنا يبرز الدور الأساسى للحكومة فى حماية السوق والمستهلك. فالمطلوب ليس فقط التوعية، بل أدوات تنظيم واضحة. يمكن مثلًا فرض تسعير معلن على السلع الموجودة بالمخزون وفق أسعارها القديمة، مقابل تسعير مختلف للمنتجات التى تم تصنيعها أو استيرادها بعد زيادة المحروقات. بهذه الطريقة يتم تحقيق قدر من العدالة، ويُمنع استغلال الظروف على حساب المواطنين البسطاء.
>>>
لقد تفهّم المواطنون قرارات الحكومة ودعموها فى ظل الظروف الاستثنائية التى تمر بها البلاد والمنطقة. ومن الطبيعى أن ينتظروا فى المقابل إجراءات حازمة لضبط الأسواق ومنع الفوضي. كما أن تحويل القرارات الاقتصادية الضرورية إلى مادة للمزايدة السياسية أو مغازلة الرأى العام لا يخدم المصلحة العامة، خاصة فى أوقات الأزمات والحروب.
>>>
فى النهاية، استقرار السوق مسئولية مشتركة، لكن الحكومة تبقى الطرف القادر على فرض القواعد. فحين يشعر المواطن بأن هناك عدالة فى السوق، يصبح أكثر استعدادًا لتحمّل صعوبات المرحلة. أما إذا تُركت الأسواق للفوضي، فإن العبء الأكبر سيظل دائمًا على كاهل الغلابة.









