فى لحظة تتكاثف فيها الضغوط الاقتصادية على المجتمعات، ويزداد فيها العبء على كاهل الفقراء ومحدودى الدخل بسبب اندلاع الحرب الأمريكية- الإسرائيلية ضد إيران، جاءت توجيهات الرئيس عبدالفتاح السيسى بدراسة إحالة المتلاعبين بالأسعار إلى القضاء العسكرى خلال كلمته فى حفل الإفطار الذى نظمته الأكاديمية العسكرية المصرية، لتبعث برسالة حازمة مفادها أن الدولة لم تعد تقبل بأن تتحول معاناة الناس إلى فرصة للربح السريع أو وسيلة للابتزاز الاقتصادي. فاستقرار الأسواق ليس مجرد شأن اقتصادى بحت، بل هو قضية عدالة اجتماعية وأمن مجتمعى فى آن واحد.
الأسواق فى مصر أصبحت، بكل أسف مسرحًا، لظاهرة شديدة الخصوصية؛ ظاهرة يمكن وصفها بقاعدة «الارتفاع الدائم». فالأسعار ترتفع سريعًا عند أى اضطراب عالمى، لكنها نادرًا ما تنخفض حتى عندما تزول أسباب الارتفاع. قد تتراجع أسعار السلع عالميًا، وقد تنخفض تكاليف النقل أو مدخلات الإنتاج، ومع ذلك تبقى الأسعار المحلية ثابتة عند مستوياتها المرتفعة، وكأن السوق قد فقد ذاكرته الاقتصادية أو أصيب بما يشبه الجمود المتعمد. والسبب فى كثير من الأحيان لا يعود إلى قوانين العرض والطلب بقدر ما يرتبط بجشع بعض التجار الذين يتعاملون مع السلع باعتبارها وسيلة للثراء السريع لا حاجة أساسية للمجتمع.
هذه الظاهرة تتجلى بصورة أوضح فى ممارسات مثل إخفاء السلع أو ما يُعرف شعبيًا بـ»تعطيش السوق»، حيث تُحجب المنتجات عن التداول لفترة قصيرة لخلق شعور مصطنع بالندرة، ثم تعود إلى الأسواق بأسعار أعلي. إنها لعبة قديمة فى تاريخ الأسواق، لكنها تصبح أكثر قسوة عندما تُمارس فى مجتمع يعانى قطاع واسع من مواطنيه من ضغوط المعيشة. ولهذا جاء التحذير الرئاسى بمثابة إعلان أن التلاعب بقوت الناس ليس مجرد مخالفة تجارية، بل اعتداء على الاستقرار الاجتماعى يلزم التعامل معه بحسم وقوة حتى لو اضطر الأمر لتحويل المتلاعبين بالسوق للقضاء العسكري.
واللافت فى الأسواق المصرية أيضًا ذلك التفاوت الكبير فى الأسعار داخل النطاق الجغرافى الواحد. فقد تُباع السلعة نفسها فى الشارع ذاته أو الحى نفسه بأسعار مختلفة بدرجة لافتة، وكأن السوق يفتقر إلى معيار واضح أو مرجعية رقابية صارمة. هذا التفاوت لا يوحى فقط بعشوائية التسعير، بل يفتح الباب أمام التساؤل: هل المشكلة فى ضعف الرقابة؟ أم فى غياب آليات شفافة لعرض الأسعار؟ أم فى عدم وجود نظام فعال يضمن التوازن بين حرية السوق وحماية المستهلك؟
إن توجيه الدولة بدراسة إجراءات أكثر صرامة يطرح سؤالاً جوهريًا: هل ستنجح الحكومة فى اختبار ضبط الأسعار؟ وهل تمتلك الأدوات الكفيلة بتحويل هذا التوجيه إلى واقع ملموس يشعر به المواطن فى حياته اليومية؟ ثم ما هى الآليات التى يمكن أن تجعل السوق أكثر انضباطًا وعدالة؟
ومن هنا تتوالد أسئلة أخرى لا تقل أهمية عن سؤال الأسعار ذاته. ماذا ستفعل وزارة التموين والتجارة الداخلية مع مشكلة العجز المزمن فى أعداد مفتشى التموين؟ وكيف يمكن لجهاز رقابى محدود العدد أن يراقب ملايين المنافذ التجارية المنتشرة فى المدن والقري؟ وهل تفكر الوزارة فى حلول مبتكرة، مثل توظيف التكنولوجيا أو تطبيقات الإبلاغ المجتمعي، لتعويض هذا العجز البشرى الذى أصبح أحد ثغرات الرقابة على الأسواق؟
ثم أين أثر جهاز حماية المستهلك فى حماية الناس من موجات الغش التجارى التى انتشرت بصورة لافتة، خصوصًا على صفحات التواصل الاجتماعى والقنوات الفضائية؟ فالإعلانات عن منتجات طبية مجهولة المصدر أصبحت تُبث علنًا، وتُباع أدوية ومكملات علاجية بلا ترخيص أو رقابة، فى مشهد يثير القلق على صحة الناس قبل أموالهم. فإلى متى ستظل هذه الفوضى قائمة؟
إن الأسئلة لا تنتهي، لكنها تعكس قلقًا مشروعًا لدى المجتمع: متى يصبح للسوق المصرى معيار واضح يضمن عدالة الأسعار؟ ومتى تتحول الرقابة من رد فعل متأخر إلى منظومة استباقية تمنع الجريمة الاقتصادية قبل وقوعها؟ وهل يمكن أن نشهد قريبًا سوقًا يُعلن فيه السعر بوضوح، وتُحاسَب فيه المخالفات بسرعة وشفافية؟
الخبرات الدولية تشير إلى أن استقرار الأسواق لا يتحقق بالعقوبات وحدها، بل بمنظومة متكاملة من السياسات. ففى كثير من الدول المستقرة اقتصاديًا تُستخدم منصات إلكترونية رسمية لعرض الأسعار الاسترشادية للسلع الأساسية، بحيث يستطيع المواطن أن يقارن بسهولة بين أسعار المتاجر المختلفة، وهو ما يخلق نوعًا من الرقابة المجتمعية إلى جانب الرقابة الحكومية. كما تعتمد بعض الدول على قواعد صارمة لمكافحة الاحتكار، تمنح السلطات صلاحيات واسعة لفرض غرامات ضخمة أو إغلاق المنشآت التى يثبت تورطها فى التلاعب بالأسعار أو حجب السلع.
تبقى هذه الأسئلة مفتوحة، لكنها تعكس حقيقة واضحة: أن استقرار السوق ليس رفاهية اقتصادية، بل شرط أساسى للعدالة الاجتماعية. وعندما يشعر المواطن بأن الدولة تقف إلى جواره فى مواجهة الجشع والاحتكار، فإن الثقة فى السوق «وفى المستقبل الاقتصادى كله» تزداد وتترسخ وتعمق الثقة فى أداء الحكومة.









