لم تكن كل الحروب تُحسم فى ساحات القتال التقليدية، ولا دائمًا عبر تدمير الجيوش وإسقاط القدرات العسكرية المباشرة للخصم. ففى كثير من الصراعات الحديثة، تحوّل مسار الحسم إلى ميدان آخر أشد قسوة وتأثيرًا: ميدان البُنى التحتية. التجربة التى شهدتها صربيا فى تسعينيات القرن الماضى تُعد مثالًا واضحًا على هذا التحول. فالغارات الجوية، رغم كثافتها، لم تكن وحدها العامل الحاسم، بل جاءت نقطة التحول عندما بدأ استهداف شبكات الكهرباء والمياه والجسور والطرق ومحطات الصرف الصحي، إلى جانب منشآت خدمية أساسية مثل المستشفيات والمدارس.
>>>
حينها لم يكن الهدف فقط إضعاف القدرة العسكرية، بل ضرب الحياة اليومية للمجتمع نفسه. فحين تنقطع الكهرباء وتتوقف المياه وتتعطل المواصلات، تتبدل طبيعة الحرب. يتحول الضغط من الجبهة العسكرية إلى الداخل الاجتماعي، حيث تتراكم الأزمات المعيشية ويزداد الغضب الشعبي. وهنا يصبح المجتمع نفسه جزءًا من معادلة الصراع، ليس كمقاتل، بل كقوة ضغط قد تدفع باتجاه إنهاء الحرب بأى ثمن.
>>>
هذه الإستراتيجية تُعرف فى الأدبيات العسكرية أحيانًا بحرب «شلّ الدولة»، حيث يتم استهداف الأعصاب الحيوية التى تقوم عليها الحياة المدنية والاقتصادية. فالدولة الحديثة تعتمد على شبكات مترابطة من الطاقة والمياه والنقل والاتصالات، وأى خلل واسع فيها يمكن أن يُدخل المجتمع فى حالة من الفوضى والارتباك. لذلك، فإن ضرب هذه المرافق لا يؤدى فقط إلى أضرار مادية، بل يخلق حالة نفسية واجتماعية ضاغطة تتجاوز تأثير الضربات العسكرية التقليدية.
>>>
غير أن هذا النمط من الحروب يثير إشكاليات أخلاقية وقانونية عميقة. فحين تتحول المنشآت المدنية إلى أهداف عسكرية، يصبح المدنيون أنفسهم فى قلب المعركة، سواء أرادوا ذلك أم لا. ويصبح الضرر الذى يلحق بالمجتمع أوسع بكثير من أى مكسب عسكرى مباشر. ولهذا يصف كثير من الباحثين هذا النوع من الإستراتيجيات بأنه أحد أكثر أشكال الحروب قسوة، لأنه يعاقب المجتمع بأكمله بدلًا من الاقتصار على القوات المسلحة.
>>>
اليوم، ونحن نتابع ما يجرى فى منطقتنا، يبدو أن هذا النمط من الحروب يعود إلى الواجهة. فبدلًا من التركيز الحصرى على الأهداف العسكرية الصلبة، يتزايد الاهتمام بضرب شبكات الطاقة والمنشآت الحيوية والطرق والبنية الخدمية التى تعتمد عليها حياة الناس. ومع كل ضربة من هذا النوع، تتسع دائرة التأثير لتشمل الاقتصاد والمجتمع والاستقرار الداخلي.
>>>
إن أخطر ما فى حرب البُنى التحتية أنها لا تدمّر الحاضر فقط، بل تترك آثارًا طويلة المدى على قدرة الدول على التعافى وإعادة البناء. فإعادة بناء الجيوش قد تكون أسرع من إعادة بناء مجتمع أنهكتْه سنوات من انقطاع الخدمات وتراجع الاقتصاد. ولذلك، فإن هذا النوع من الحروب، وإن بدا فعالًا من منظور عسكرى ضيق، يظل واحدًا من أكثر أشكال الصراع إثارة للجدل من حيث أخلاقيته وتداعياته الإنسانية.









