فى لحظة فارقة من تاريخ الشرق الأوسط، حيث تتلبد سماء المنطقة بغيوم الصراعات وتتصاعد نذر المواجهات العسكرية التى قد تعصف بالأخضر واليابس، تبرز مصر كحجر زاوية ومنارة للعقلانية السياسية. إن الموقف المصرى الراهن، الذى عبر عنه الرئيس عبدالفتاح السيسى فى الاجتماع الطارئ مع قادة الاتحاد الأوروبى ودول المنطقة، ليس مجرد رد فعل لحدث عابر، بل هو تجسيد لسياسة إستراتيجية ثابتة تضع «الأمن والاستقرار» فوق كل اعتبار، وتؤمن بأن لغة الرصاص لن تبنى مستقبلاً لشعوب أتعبتها النزاعات.
تتحرك مصر فى المشهد الإقليمى المعقد بمسئولية تتناسب مع ثقلها التاريخي؛ فهى تدرك أن اتساع رقعة الصراع ليس مجرد احتمال سياسي، بل هو خطر داهم يهدد السيادة الوطنية للدول العربية ومقدرات شعوبها. إن الرسالة المصرية كانت حاسمة: «الأمن القومى العربى كل لا يتجزأ»، ومن هنا جاءت الإدانة القوية لكل أشكال الاعتداء على سيادة الأردن والعراق ودول الخليج، والرفض القاطع لأى مساس بسلامة أراضيها. هذا الموقف المتوازن يجمع بين الحزم فى حماية الحقوق العربية، والحكمة فى عدم الانزلاق نحو مغامرات عسكرية غير محسوبة النتائج.
على مدار الأشهر الماضية، لم تهدأ أروقة الدبلوماسية المصرية. لقد بذلت القاهرة جهوداً مكوكية لاحتواء التوترات، متسلحة برؤية تقوم على أن الحلول السياسية هى الممر الآمن الوحيد. ولعل «اتفاق القاهرة» الذى تم التوصل إليه فى سبتمبر 2025 بين الوكالة الدولية للطاقة الذرية وإيران، يمثل انتصاراً للدبلوماسية المصرية الهادئة التى نجحت فى بناء جسور الثقة فى ملف شديد الحساسية كالبرنامج النووي، وهو ما يقطع الطريق على سباقات التسلح التى قد تحول المنطقة إلى ساحة مواجهة نووية لا قدر الله.
تحذر مصر، ومن منطلق رؤية ثاقبة، من التداعيات الاقتصادية والإنسانية الكارثية لأى تصعيد إضافي. إن المساس بمسارات الطاقة وسلاسل الإمداد والممرات الملاحية لا يضر بدول المنطقة فحسب، بل يضرب فى مقتل جهود التعافى الاقتصادى العالمي. وهنا يبرز الدور المصرى كـ «قوة توازن» تسعى لحماية مصالح الدول النامية التى تدفع دائماً الثمن الأكبر للنزاعات المسلحة.
وفيما يخص الملف اللبنانى والسوري، كانت الرؤية المصرية شديدة الوضوح؛ حيث شددت على ضرورة دعم الدولة اللبنانية ومؤسساتها الرسمية، ورفض أى اجتياح عسكرى أو استهداف للبنية التحتية، مع التأكيد على ضرورة حصر السلاح فى يد الدولة، والحفاظ على سيادة سوريا، وهى مواقف تهدف فى جوهرها إلى منع انهيار مؤسسات الدول الوطنية وتفادى الفوضي.
إن إيمان مصر بمحورية النظام الدولى القائم على القواعد ليس مجرد شعار، بل هو خيار إستراتيجى لتجنيب شعوب المنطقة ويلات الحروب. إن استقرار الشرق الأوسط يمثل مصلحة مشتركة، واستمرار التصعيد لن يخدم سوى تجار الأزمات، بينما ستبقى مصر دائماً هى الرهان الرابح والقوة التى تدفع نحو التهدئة والحوار.
ستظل القاهرة تعمل مع شركائها الدوليين، وفى مقدمتهم الاتحاد الأوروبي، لنزع فتيل الأزمات، مؤكدة أن «صوت العقل» هو الأقوى فى النهاية، وأن بناء المستقبل يتطلب شجاعة فى السلام تضاهي، بل تفوق، الشجاعة فى الحرب.









