ليس كل ما تتمناه الدولة تدركه لم تكن مصر تتمنى صراعا إقليميا ولا حروبا تضرب الأسواق العالمية وتربك البورصات وتغلق خطوط إنتاج النفط في كبرى الدول المنتجة حذرت مصر كثيرًا وناشدت الجميع أن يحكموا صوت العقل كى يوقفوا التصعيد رحمة بالبشر وتجنبا لتأثيرات قاسية سياسيا وأمنيا واقتصاديا، لكن ما لم تتمناه مصر حدث.
اشتعلت الحرب التي لا طائل ولا فائدة منها سوى الدمار والخراب ليس فقط لأطرافها بل لكل دول المنطقة، فمن لم تطاله شظايا الصواريخ المتبادلة طالته تأثيرات اقتصادية مربكة، وفي مقدمتها أسعار الطاقة التي لم يعد أي اقتصاد يتحمل ارتفاعها بهذا المستوى في زمن قياسي بسبب التوترات العسكرية في المنطقة وتأثيرها المباشر على إمدادات النفط وحركة التجارة والطاقة عالميًا.
عندما يقفز سعر برميل النفط لما يقرب من 40 دولارا في أيام معدودة فكل الموازنات ترتبك وكل الحكومات مجبرة على إعادة حساباتها، خاصة أن الحرب بلا أفق وليس هناك ما يؤشر على أنها ستنتهى سريعا، بل التصريحات المتضاربة تؤكد انها ممتدة والتهديدات المتبادلة تقول إن القادم أسوا.
قبل الحرب بأيام كانت الحكومة تتحدث عن اجراءات إضافية الحزم الحماية الاجتماعية حصاد جيد للإصلاح يلمسه المواطن، وكان رئيس الوزراء يؤكد أن هذا العام قد لا يشهد زيادة في أسعار الطاقة والكهرباء، هكذا كانت نية الحكومة، وكانت صادقة، لكن سارت الرياح بما لا يشتهى الجميع، وسيطر جنون الحرب على مشعليها ليحرقوا أوراقا كثيرة ويصنعوا أزمة تتن منها حتى شعوب أوروبا البعيدة عن المواجهة.
فما بالنا بدول المنطقة وتحديدا دولة مثل مصر احتياجاتها من الطاقة كبيرة والتأثيرات عليها مباشرة، كل ما يحدث في المنطقة تدفع مصر ثمنه الأكبر، ولولا الاستعدادات الحكومية المسبقة والتحرك السريع بتوجيهات رئاسية لتأمين أكبر قدر من الاحتياطى الإستراتيجي من الطاقة والسلع لكان الوضع في مصر سينا بمعنى الكلمة.
لكن الدولة تعاملت مع الأزمة باحترافية وتنبهت مبكرا إلى أن المنطقة تعيش على كتل نارية يمكن أن تشتعل في أي لحظة ولذلك كانت حريصة على تأمين احتياجاتها الأساسية من السلع ومن الطاقة، ورغم ذلك فالأزمة الآن أكبر من كل هذا.. وتداعياتها يعلمها كل متخصص موضوعي.
وكما قال أحد خبراء الطاقة فالقضية ليست في التداعيات الحادثة حتى الآن، بل الأهم أن تتوقف عند هذا الحد لأن الخطر مازال قائما وطالما استمرت الحرب ستزيد التداعيات السلبية على الاقتصاد العالمي والاقتصاد المصرى في قلب الأزمة.
الحكومة كانت مجبرة على التعاطى سريعا مع الأزمة بتوفير السلع وضمان تلبية احتياجات المواطنين بكل السبل، وحماية استمرار الإمدادات.
أما الزيادة في الأسعار فهي إجراء استثنائى مؤقت مرتبط بارتفاع تكلفة النقل وزيادة اسعار الطاقة عالميا، وإذا حدث ما يخفف من هذه التداعيات فالحكومة على وعدها بأنها ستعيد النظر في قراراتها.. هذا وعد حكومى يطمئن كل مواطن أن الدولة لم تستغل الظروف كما يدعى البعض لترفع الأسعار وإنما كانت مجبرة على إجراء لم تكن تريده، ولا كانت تتمناه وما أن تتحسن الظروف ستكون هناك مراجعة جديدة.
يقينا سوف يترتب على زيادة اسعار الوقود مع الأزمة العالمية ارتفاع في الأسعار، هذا أمر متوقع، لكن كما وعدت الحكومة أيضا ستكون هناك تحركات مكثفة من أجل أن يتم التعامل بحسم مع كل من يفكر في استغلال الأزمة أو ممارسة الاحتكار.
وتوجيهات الرئيس بإحالة المتلاعبين بالأسعار إلى القضاء العسكرى سيتم تنفيذها خلال الفترة القادمة على من يثبت تورطه في ممارسات تضر بالأسواق.. الحكومة وإن أجبرت على زيادة أسعار الوقود وبعض الإجراءات الاستثنائية لكنها لن تترك المواطن وحده أمام تجار الأزمات والمحتكرين، سوف تواجههم وتتصدى لألاعيبهم دفاعا عن المواطن وحماية لحقوقه في سوق يجب أن يكون بعيدا عن الاستغلال.
نحن أمام ظرف استثنائي طارئ وصعب ولكنه سيمر مهما كانت التكلفة، فلسنا وحدنا من نعاني، بل الجميع يتألمون وعلينا ان نتوحد كل منا يقدم ما يملك، وإذا كانت الحكومة بدأت بنفسها في إجراءات ترشيد الإنفاق والاستهلاك.. فكل مواطن وكل جهة عليها أن تسارع بذلك.. وكل مواطن عليه مسئولية فضح كل متربح ومتاجر بالأسواق حتى يطبق عليه القانون.









