مُكْرَهُ أخاك لا بطل، هذا حال حكومة الدكتور مصطفى مدبولي، وهي تقرر رفع أسعار المحروقات (أمس) تحت وطأة تداعيات الحرب الإيرانية المتأججة، والتي عصفت بأسواق الطاقة والمحروقات عصف ريح صرصر عاتية، وكسرت أسعارها في الأسواق العالمية السقوف جميعًا.
استدامة الاحتياطيات لتلبية الاحتياجات مكلف، فوق الطاقة اقتصاديات عريقة باتت تتشكي، والقادم للأسف إذا استمرت الحرب الإيرانية طويلًا لا يسر، معلوم اللي يجي من وراء الحرب ما يسر القلب.
الاضطرار الذي نعيه له قاعدة أصولية أصل، فرع فقهي بناءً على قاعدة “الضرورات تبيح المحظورات”، ويشترط فيها أن يكون الاضطرار حقيقيًا، وأن يكون التناول بقدر الحاجة فقط “بغير باغٍ ولا عادٍ”.
والحكومة في قرارها الذي اتخذته على مضض مضطرة اضطرارًا حقيقيًا وبقدر الحاجة التي تمليها الأسواق القلقة، وتعلنها (للناس) في إيضاح وجلاء، رفع أسعار المحروقات بقدر الحاجة الملحة، مع الاستعداد لاتخاذ ما يلزم من إجراءات لإعادة النظر في حالة تغير أوضاع أسواق وأسعار منتجات الطاقة عالميًا إلى الأحسن، وذلك للحفاظ على استقرار الأسواق المحلية وتخفيف الأعباء قدر الإمكان عن المواطنين والقطاعات الإنتاجية.
إعادة النظر في أسعار المحروقات واردة علي لسان الحكومة، في حال تحسنت الظروف، واستقرت الأسعار العالمية علي حالها قبل الحرب، وهذا من حسن إدارة الأزمات التي تطرأ علي غير توقعات وتقلق الأسواق.
قبل القرار، كانت المقاهي تشغي بحدث الحرب والأسعار، وإجماع شعبي على أن هناك آثارًا سلبية بالضرورة مترتبة على الحرب، وترجيحاتهم كانت تصب في تأثر أسعار الطاقة، وهم يشاهدون إغلاق مضيق هرمز، وحصار ( خرج ) المنفذ الرئيس للبترول الإيراني، وقصف الناقلات الحاملة في عرض الخليج، ورفع شركات التأمين يدها، ومضاعفة كلفتها التأمينية، والنقص الحاد في الاستخراج والتصدير من الموانئ الرئيسة في الخليج، ما رفع أسعار البترول والغاز ومشتقاتها عالميًا.

القفزة الخيالية فى أسعار البترول، والغاز لا تحتملها اقتصادات كبيرة مهما تحسبت.. وتدبير الاحتياجات للاستهلاك والصناعة ما لا طاقة لنا به فى ظل اقتصاد بالكاد يتعافى خسر لتوه عشرة مليارات من عائدات قناة السويس
قرار الحكومة لم يكن مفاجئًا علي كل حال، وتوقعته الدوائر الشعبية قبل الدوائر الاقتصادية، ولم يكن غائبًا عن ذهنية رجل الشارع الذي يعلم علم اليقين أن للحرب ثمنًا سيدفعه دون ذنب جناه ولا جريرة، ولا ناقة له في الحرب ولا جمل، ولكنها الحروب التي تشتعل تواليًا من أوكرانيا إلى إيران مرورًا بغزة، سنوات عصيبة تأبى أن تمر وحملها ثقيل.
والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس، وكأن الآية الكريمة ( 177 من سورة البقرة ) تصف حالنا، وحين البأس، حين القتال، الحرب، المواطن المصري بطبعه صبور حمول، جمل الحمول، و الرهان الحكومي الرشيد على احتمال المواطن الحصيف لا يخيب.
المواطن المصري ذو عقل راجح وأريب، ويعلم علم اليقين أن الحكومة مضطرة، ومكرهه، مُكْرَهُ أخاك لا بطل، وفي ظهر دولته وقيادته في الظرف الصعيب، ولم يخب الرهان أبدًا، وفي كل عثرة يتجلى المعدن الأصيل، وصبر جميل، ويأكلوها بدقة ولا سؤال اللئيم، ومنيتهم الأمن والأمان والستر، وياما دقت على الرؤوس طبول حرب.
السطور أعلاه ليست من قبيل التبرير، ولا الدفاع عن الحكومة التي تتجهز لاستكمال الحزمة الاجتماعية وتنظر في الحد الأدني للأجور، الحكومة لها من يدافعون عنها، ولكن هذا السطور إقرار بواقع تداعيات حرب ضروس نشاهدها على الهواء مباشرة، نشاهد مصافي ومستودعات وناقلات النفط تحترق، وألسنة اللهب تحرق القلوب والوجوه.
قدرنا أن نكون في عين العاصفة، لا تخطئنا العاصفة، تعصف باستقرار المنطقة، وهذا يعصف بنظرية (عبقرية المكان) لطيب الذكر الدكتور “جمال حمدان ” وتحتاج إلي مراجعة حقيقية، فضلا الحفاظ على الاستقرار وطنيًا مكلف وغالي الثمن ندفعه ونحن صابرون على الغرم.
القفزة الخيالية في أسعار البترول والغاز لا تحتملها اقتصاديات كبيرة مهما تحسبت، وتدبير الاحتياجات للاستهلاك والصناعة ما لا طاقة لنا به في ظل اقتصاد بالكاد يتعافى خسر لتوه عشرة مليارات من عائدات قناة السويس بسبب حرب غزة ( من تصريح للرئيس السيسي )، ولا تزال القناة تنزف عوائدها، فضلًا عن المردود السالب سياحيًا، وانعكاساته على تحويلات المصريين من دول خليجية متأثرة مباشرة بالحرب.
كما يقولون في الأمثال الشعبية: “القفة أم ودنين يشيلوها اتنين”، مثل شعبي مصري شهير يُضرب للتأكيد على أهمية التعاون والمشاركة وتكاتف الجهود لإنجاز الأعمال الثقيلة التي يصعب على الحكومة تحملها بمفردها.
يحيلنا المثل إلى أن المسؤولية الوطنية المشتركة تجعل الحمل أخف، والحكومة على وعد بتخفيف الأحمال حال انكشاف الغمة.. وكما قال ابن النحوي في قصيدته المنفرجة: ” اشتدّي أزمةُ تنفرجي.. قد آذن ليلُكِ بالبلجِ” .. تفاءلوا خيرًا تجدوه.









