الحرب بين إيران من جانب وإسرائيل والولايات المتحدة من جانب، تخرج عن المخطط لها أو ربما يكون هذا هو الهدف منها بتوسيعها، ولم يكن السبب المعلن من قبل، المدة الأولى المعلنة أربعة أيام ثم امتدت لأسبوع ثم أربعة أسابيع، وآخر التصريحات أنها « مفتوحة»، تماما مثل ما حدث فى غزة بعد أحداث 7 أكتوبر امتدت الحرب من عدة أيام إلى أسابيع، ثم امتدت إلى عامين.
أمريكا قالت إنها تشن هذه الحرب لتغيير النظام الحاكم فى إيران ولمنعها من امتلاك السلاح النووى والتخلص من الصواريخ الباليستية التى تهدد إسرائيل، وهذا أيضا أصبح مختلفا بعد هذه الجولات والضربات المتبادلة، ولا نعرف إلى أين تسير الأمور ولا أين المرسى، ولا متى يمكن لأى طرف أن يقول إنه حقق ما يريد، ولا حتى ما هى معايير النصر أو الهزيمة، واختلت الموازين، والأكثر إزعاجا أنه لم يعد هناك من يمكن أن يتوسط لوقف الاقتتال، خاصة بعد عدم الاستجابة للوساطات السابقة، ثم تصريحات الطرفين حاليا بأنهما يرفضان التفاوض.
وفى ظل هذه العتمة، التى زج بها النتنياهو العالم كله وتأثر بنيرانها سياسيا واقتصاديا، يخرج من يروج للقوة الإسرائيلية وينفخ فيها ويبالغ فى إمكانياتها ويحاول أن يعيدها إلى أسطورة «الجيش الذى لا يقهر»، وأنها تمتلك أقوى مخابرات، ويتناسون أن هذا النتن ياهو استطاع إقناع ترامب بشن الحرب خشية من قوة إيران العسكرية المتنامية، وأن الإسرائيليين يعيشون واحدة من أسوأ أيامهم فى الملاجيء.
إن من يعرف الحروب، لا يصدق أى تصريحات خلالها من أى طرف، فكل جانب يحاول أن يخفف من خسائرة ويبالغ فى «انتصاراته»، وما ليس سرا أن جيش الاحتلال يمنع تصوير أى آثار للعمليات الإيرانية فى إسرائيل ويحظر نشرها على وسائل التواصل، علاوة على أن وسائل الإعلام العبرية تكتفى بنشر صور من إيران وغيرها، وبكل أسف أن العامة يصدقون البيانات التى تنضح بالكذب وهم لا يعرفون حقيقتها، والأفضل فى هذه الظروف أن تسمع فقط ولا تحكم لأن الحقيقة غائبة.
لا شك أن الحروب، كل الحروب، لا يخرج فيها الطرفان دون خسائر مهما كانت، فكلها لا تأتى إلا بالخراب والدمار على المنتصر والمهزوم، وإن اختلفت نتائجها وأثارها وتوابعها، والأسوأ أننا نرى الحروب الحديثة تتخطى الإخلاق ولا تقيم لها وزنا وتتجاوز القوانين الدولية والإنسانية وتدوس عليها، فلا تراعى حقوقا للبشر ولا الحجر، ولا تهتم بطفل ولا امراة ولا شيخ مسن ولا مريض.
ورغم أن العالم يدعى الآن أنه يعيش عصرا من التحضر والمدنية والتقدم، لكنه يسير على قانون الغاب، يتعامل بشعارات مجردة بلا قيمة، يدوس البشر بالتعالى والغطرسة، وبالإمكانات الإقتصادية والقوة العسكرية، بما يهبط إلى أدنى من الجاهلية الأولى، التى رغم ما كان فيها إلا أنها جسدت أخلاق الفوارس فى المروءة، والوفاء بالعهد، والالتزم بآداب قتالية نبيلة، يرفض الغدر ويتجنب قتل النساء والأطفال والضعفاء، ولا يلطم امرأة، ويعفو عند المقدرة، ويتجنب الطعن فى الظهر.
عندما تدوى أصوات الطائرات والقنابل والمدافع، يدوس العالم على كل القيم الإنسانية، وأفسد النزاع المسلح حياة ملايين المدنيين، وأصبحت الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولى والقانون الدولى لحقوق الإنسان من الظواهر الشائعة، بما يشكل إبادة جماعية أو جرائم حرب.
ورغم أن المعاهدات الدولية تنص على إلزام أطراف النزاع بالحفاظ على حقوق المدنيين، إلا أن الصليب الأحمر يكشف عن أنه فى الحرب العالمية الأولى، كانت نسبة الضحايا من المدنيين 5 %، وفى الثانية وصلت إلى 50 %، أما اليوم فإن 90 % من الضحايا فى الحروب من المدنيين، وتقول منظمة «اليونيسيف» إن حوالى 83 % من المصابين جراء الألغام من المدنيين، غالبيتهم من الأطفال.
العالم يقف على قدم واحدة، الكل يترقب، والمخاوف لا تستثنى أحدا، بعيدا أو قريبا من مسرح الأحداث، الجميع يخشى أن يصيبه سهم منها أو يخدش خطأ أو عمدا.









