رغم أن شهر رمضان هو شهر تهذيب النفس وموسم للتقرب إلى الله بالطاعة والعبادة والتحلى بالاعتدال والقناعة يقع البعض فى دائرة السلوكيات الاستهلاكية التى تفرغ الصيام من بعض مقاصده، لتتبدل الأولويات لدى بعض الفئات فيتحول الاستعداد الروحى إلى سباق للشراء والاستهلاك وتتحول موائد الإفطار إلى ساحات للتفاخر بما يتناقض مع روح الشهر الكريم.
ولا تقتصر ظاهرة الإسراف على الطعام والشراب والعزومات العامرة وإن كانت هى الصورة الأكثر انتشارا لكنها تمتد إلى مجالات أخرى لا تقل خطورة. فهناك إسراف فى استهلاك الكهرباء والمياه نتيجة الاستخدام غير الرشيد، وإسراف فى متابعة الأعمال الدرامية وبرامج الترفيه على حساب أوقات العبادة والتواصل الأسرى بالإضافة الى الإفراط فى استخدام وسائل التواصل الاجتماعى فتتحول أوقات رمضان الغالية إلى وقت مهدر . كما يظهر نوع آخر من الإسراف يتمثل فى الكسل والتراخى عن أداء العمل أو الواجبات اليومية، بحجة الصيام أو السهر فيختل ميزان الإنتاج والانضباط.
يوضح الدكتور جمال فرويز استشارى الطب النفسى أن الإسراف فى رمضان سلوك معقد لا يرتبط فقط بالحاجة الفعلية بل هو نتاج ثقافة اجتماعية تراكمت عبر سنوات من الاحتكاك بثقافات أخرى و تعززت مؤخرا بفعل التطور التكنولوجى وانتشار الهواتف الذكية وتطبيقاتها التى جعلت العالم قرية صغيرة، وسهلت المقارنة الدائمة بين أنماط الحياة.
ويشير إلى أن بعض الأفراد أصبحوا يلهثون وراء التباهى والتفاخر حتى فى موائد الإفطار والسحور حيث يتجه البعض إلى أماكن بعينها لتناول وجبات مرتفعة التكلفة ثم نشر قيمة الفاتورة عبر وسائل التواصل الاجتماعى فى إطار يبدو شكوى بينما يحمل فى طياته مفاخرة ضمنية وإبرازاً للقدرة المادية.
ويضيف فرويز أن للإعلام دورا غير مباشر فى تكريس هذا السلوك فعندما تتكرر عبارات من قبيل «الدولة استعدت لرمضان» بالإشارة إلى ضخ السلع واللحوم وزيادة المعروض فيترسخ لدى البعض أن ارتفاع معدلات الاستهلاك فى الشهر الكريم أمر طبيعى بغض النظر عن الحالة الاقتصادية للأسرة. وهنا يتشكل ما يمكن وصفه بـ «هوس المشتريات الرمضانية»، وهو سلوك يتنافى مع جوهر الشهر القائم على الزهد وضبط النفس.
كما لفت إلى تأثير ما يُعرف بالضغط الجمعى حيث يسعى الفرد خلال العزومات إلى تقديم كميات مبالغ فيها من الطعام خشية أن يوصم بالبخل فيتحول الكرم من قيمة إنسانية إلى عبء اجتماعي.
وأكد أن مواجهة هذه الظاهرة تبدأ بتنمية الوعى الأسرى بإعادة توجيه البوصلة النفسية من البحث عن الإشباع فى الاستهلاك إلى البحث عنه فى السكينة والرضا والتوازن، فالقناعة سلوك يدرب عليه الإنسان، والاعتدال فى الإنفاق أحد أهم مظاهر النضج النفسى والاجتماعي.
المشهد الاستهلاكى
من جانبها تقول هبه كشك أستاذ الاقتصاد المنزلى بجامعة المنوفية شهر رمضان يشهد سنويا ارتفاعا فى معدلات الطلب الاستهلاكى بنسبة تقارب 20 % مقارنة بباقى أشهر العام، مضيفة أن الغذاء يستحوذ وحده على نحو 50 % من إجمالى إنفاق الأسر خلال الشهر الكريم، وأضافت أن العزومات والتجمعات الرمضانية، رغم كونها من أبرز مظاهر الشهر الكريم إلا أنها تتسبب فى كميات كبيرة من هدر الطعام. وللحد من ذلك تقترح الاكتفاء بتجمع عائلى كبير مرة واحدة خلال الشهر على أن تتشارك كل أسرة بصنف واحد فقط يتم الاتفاق عليه مسبقا بما يضمن تنوع المائدة دون تحميل أسرة بعينها عبئا ماديا إضافيا، مع حساب الكميات بدقة لتقليل الفاقد.
وأشارت إلى إمكانية الاكتفاء بنوع واحد من البروتين على المائدة سواء لحوم أو دجاج، مع تقليل استهلاك البروتين الحيوانى إلى مرة أو مرتين أسبوعيا واستبداله ببدائل غذائية أقل تكلفة وأكثر فائدة صحية. مشيرة إلى أنه علينا الاستغناء عن السلع التى تندرج تحت بند الرفاهية مثل الياميش والمكسرات مرتفعة السعر واستبدالها بخيارات أقل تكلفة كالفول السوداني.
وفيما يتعلق بالمشروبات الرمضانية، أكدت أن الاكتفاء بنوع واحد فقط على مائدة الإفطار يعد خيارا اقتصاديا وصحيا خاصة فى ظل الارتفاع الملحوظ فى أسعار بعض الأصناف ، فضلًا عن احتوائها على نسب مرتفعة من السكريات.
وتابعت كشك إن الاتجاه إلى المنتجات المنزلية «البيتى» يمثل أحد أهم مسارات الترشيد،مثلا فى تدميس الفول أو إعداد الزبادى أو حتى تحضير كحك وبسكويت العيد داخل المنزل خاصة مع توافر الوصفات عبر وسائل الإعلام والمنصات الرقمية مما يجعل الأمر أسهل وأقل تكلفة. كما نصحت بالاستفادة من حفظ وتفريز الخضروات والفاكهة قبل حلول رمضان لتقليل النفقات خلال الشهر.
وأوضحت أن الثقافة الاستهلاكية للمواطن المصرى شهدت خلال الأعوام الأخيرة تغيرا ملحوظا، فلم يعد الاعتدال «الفضيلة الغائبة» فى رمضان كما كان يعتقد. ويتجلى ذلك فى سلوك المستهلكين الذين أصبحوا أكثر وعيا باتجاهاتهم الشرائية، من خلال البحث عن البدائل الأقل سعرا سواء فى السلع الغذائية أو غيرها، والاعتماد على المبادرات الوطنية التى تطرحها الدولة فى مختلف المناطق مثل معارض «أهلا رمضان»
استغلال المتاح
ويرى الدكتور أحمد حنفى الخبير الاقتصادى أنه فى ظل ارتفاع الأسعار أصبح الاتجاه نحو الترشيد والاستغلال الأمثل للموارد ضرورة لا خيارا. موضحا أن دخل الأسرة هو المورد الأساسى الذى يجب التعامل معه بوعي، فكل سيدة هى وزير مالية أسرتها، وهى قادرة على وضع ميزانية واضحة وتحديد أولويات الإنفاق بالتركيز على الاحتياجات الأساسية وتأجيل الكماليات والاستغناء عن الرفاهيات، مشيرا إلى أن كثيراً من الأسر خاصة السيدات أدركن أهمية ضبط سلوكيات الشراء فابتعد البعض عن التسوق الإلكترونى العشوائى باعتبار أن التحكم فى الميزانية يمثل الخطوة الأولى للنجاح المالي. كما يجب ان نبرز ثقافة إعادة التدوير والاستفادة القصوى من الموارد المتاحة داخل المنزل، سواء بإعادة استخدام بعض المستلزمات أو استغلال بقايا الأطعمة بشكل اقتصادى يقلل من الهدر.
وأشار إلى أن الاستعداد المبكر لشهر رمضان لابد أن يكون هو السلوك المتبع بشراء السلع المتوفرة مسبقا خاصة الخضروات والفاكهة وتخزينها أو تفريزها قبل ارتفاع أسعارها خلال الشهر الكريم لافتا إلى أن مظاهر الترشيد يجب ان تمتد إلى نمط العزومات بتنظيم تجمعات يتشارك فيها الجميع فى إعداد الطعام ما يعكس وعيا اجتماعيا متناميا.
وأكد حنفى أن الاعتماد على البدائل الأقل تكلفة يساهم فى خلق حالة من التوازن فى الأسواق ويجبر بعض التجار على تقديم عروض وتخفيضات لمواكبة سلوك المستهلك.
ومن جانبه يقول حسن سيف الدين- محام- إن صور الإسراف تتعدد وتتباين لكن القاسم المشترك بينها هو الخلط بين بهجة الشهر والنهم الاستهلاكى، وبين الاحتفاء بالمناسبة الدينية العظيمة والقيام بأنماط سلوكية تثقل كاهل الأسر وأهمها العزومات المتكلفة وتزيين الموائد بما لذ وطاب وما يتبعه من هدر لكميات كبيرة من الطعام ، وشراء كميات هائلة من الياميش والحلويات والعصائر،لذا علينا إعادة نظر فى مفهوم الفرح برمضان، ليكون فرحا بالطاعة وضبط النفس، لا الإفراط.
يتفق معه أيمن أحمد قائلا: الإسراف لا يتوقف على الموائد لكنه فى المرافق ايضا كالكهرباء التى يزداد استهلاكها فى الزينة ولمبات الإضاءة المنتشرة بالشوارع والبلكونات ، وحتى المياه لا يخلو التعامل معها من الإسراف ،وليستعيد الشهر الكريم رسالته يجب التوقف الاستهلاك غير المنضبط.
فيما ترى ريماس مصطفى أن الإسراف فى الأعمال الدرامية وبرامج المقالب المصاحبة لشهر رمضان أسهم فى دفع البعض إلى قضاء ساعات طويلة أمام الشاشات وهو ما يترتب عليه الإسراف فى السهر وإهدار الوقت على حساب العبادة أو التواصل الأسري، مضيفة أن مظاهر الإسراف لم تعد تقتصر على الطعام والإنفاق المادى فقط، بل امتدت إلى سلوكيات استهلاكية مرتبطة بالصورة والشكل، مثل المبالغة فى شراء زينة المنازل خلال الشهر الكريم بدافع تصويرها ونشرها على وسائل التواصل الاجتماعى فى إطار من التفاخر أو السعى وراء التفاعل بما يبتعد عن روح البساطة والاعتدال التى تميز رمضان.









