في الحرب يسقط الضحايا والشهداء، وتسقط معانٍ وأفكار عديدة، تصبح الحياة هيّنة جداً، ومن السهل فقدانها، وتهتز الحقيقة وتتراجع المعلومات المدققة لصالح الدعاية والمبالغات والأكاذيب؛ ففي لحظة وفي موقف ما قد تغيب المعلومة وتضيع الحقيقة.
في اليوم الأول للحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، قُصفت مدرسة للبنات، مدرسة “الشجرة الطيبة” الابتدائية بمدينة “ميناب” جنوبي إيران، وكان الضحايا (165) طفلة، كنّ يتهيأن للفسحة فانفجرت المدرسة فوق رؤوسهن. إن تحطم المدرسة يؤكد أن المواطنين والمواطنات الأبرياء هم أول ضحايا الحروب والمغامرات القتالية والأكثر عدداً، وليسوا هم فقط، بل الحقيقة والمعلومة أيضاً، وهذا يمثل مزيداً من الضغط على رجال الصحافة والإعلام للتعامل مع سيولة المعلومات ومحاولة التحقق منها.
منذ اللحظة الأولى ألقى كل طرف بمسؤولية تفجير المدرسة على الطرف الآخر، ونحن هنا إزاء أطراف ثلاثة:
- الطرف الإيراني: وجه الاتهام إلى الطرفين الإسرائيلي والأمريكي بأنهما وراء قصف المدرسة، دون أن يحدد كيف قُصفت: هل بصاروخ أم بقنبلة؟ ولم يكن الجانب الإيراني دقيقاً في أعداد الضحايا، إذ تعددت الأرقام حتى استقرت عند الرقم 165، ولم يذكروا للرأي العام عدد تلميذات المدرسة، وكم عدد الجرحى وعدد الناجيات؛ تفاصيل كثيرة ليست واضحة دون تحديد الطرف المسؤول. ومن الواضح أن الأجهزة النوعية -من كثرة الإغارات وشدتها- لم تكن قادرة على متابعة كل التفاصيل، كما أن التركيز كان منصباً على التعامل مع اغتيالات القادة، بدءاً من المرشد الأعلى وصولاً إلى أكثر من أربعين قائداً تمت تصفيتهم في غارات اللحظة الأولى من الحرب، صباح السبت 28 فبراير.
- الجيش الأمريكي: أعلن منذ اللحظة الأولى أنه يقوم بالتحقيق في الواقعة، وهناك تسريبات -لا نعرف مدى مصداقيتها وجديتها- نُشرت وتزعم أن التحقيق الأولي يكشف تورط الجيش الأمريكي بالخطأ. وبعد هذه التسريبات سُئل الرئيس دونالد ترامب فأجاب بأن الإيرانيين هم من ضربوا المدرسة، وأنه يقول ذلك بناءً على ما لديه من معلومات، وقدم تفسيراً يبدو مقنعاً للبعض مفاده أن الإيرانيين يفتقدون الدقة في توجيه الذخائر؛ والنقطة الأخيرة صحيحة، فكثير من الصواريخ الإيرانية تنطلق -في إسرائيل خاصة- بعيداً عن أهدافها المباشرة. وذكر وزير الدفاع الأمريكي أنهم ما زالوا يحققون، ولكن ضرب المدنيين واستهدافهم عمل يقدم عليه الإيرانيون.
- الإسرائيليون: قدموا من جانبهم روايتين؛ الأولى أن المدرسة تقع بالقرب من مقر للحرس الثوري الإيراني، وهذا يعني ضمناً أن المقصود كان مقر الحرس، لكن خطأً وقع في التصويب وإطلاق النار، وهنا لا نحتاج إلى كثير من الذكاء لمعرفة أنهم هم من كانوا يستهدفون مقر الحرس الثوري. ثم ظهرت رواية أخرى على لسان أحد مستشاري بنيامين نتنياهو مفادها أن صاروخاً إيرانياً أُطلق على المدرسة بالخطأ.

إن خبرتنا بالحروب الإسرائيلية أنهم لا يتورعون عن قصف الأهداف والمنشآت المدنية؛ فحرب غزة الأخيرة شهدت عشرات الغارات الإسرائيلية على المخيمات والمستشفيات والمدارس الفلسطينية بزعم أن بها مخازن تابعة لحماس، وفي كل مرة لم يثبت وجود مخازن. والجيش الأمريكي يتجنب قصف المدنيين والمنشآت التعليمية والخدمية عموماً، لكن الخطأ في لحظة تنفيذ عمليات حربية وارد، خاصة وأنها تتم في بلد لا يعرف الجنود والضباط تفاصيله. ففي عملية غزو واحتلال العراق سنة 2003، ارتكب الجيش الأمريكي أخطاء فادحة من هذا النوع، ووقائع سجن “أبو غريب” ما تزال في الأذهان، وقد أجرى الجيش الأمريكي تحقيقاً فيها وأدان الضابطة التي ارتكبت الأخطاء. كما أن واقعة حي الفلوجة ببغداد أثارت الدنيا وقتها. ففي أوقات الحروب تقع أخطاء وجرائم كثيرة بحق الحياة ذاتها.
واضح أن الجانب الإيراني لم يتعامل بجدية مع قصف المدرسة؛ إذ لم يتم البحث في الأنقاض عن المقذوف الذي دمر المدرسة -حتى لو كانت بقاياه- لمعرفة نوعه والجيش الذي يستعمله، وبالتأكيد أنقاض المبنى تحمل الكثير من التفاصيل. ومسؤولو المدرسة -أو من بقي منهم على قيد الحياة- يمكن أن يكونوا قد شاهدوا شيئاً، والملاحظ أنه لم يرد لهم أي ذكر بين الوفيات أو الجرحى.
سوف نلاحظ أن كل الجدل بين أطراف الصراع يدور حول أن المدرسة قُصفت بالخطأ، وأن مقتل 165 طفلة جرى خطأً، أي لا جريمة في الموضوع، لا جريمة حرب ولا حتى جريمة عادية؛ فالقتل الخطأ في القانون المدني عقوبته مخففة قد تقتصر على الغرامة المالية، وفي أوقات الحروب قد تمر هكذا أخطاء تتسامح فيها كل الأطراف.
لكن ماذا لو أن الجريمة كان مخططاً لها ومقصودة لذاتها؟ في العديد من الحروب يمكن للطرف المعتدي أن يهاجم ويقتل مدنيين لترويع الأهالي ودفعهم للتمرد على السلطات المحلية والخروج ضدها، خاصة إن كان إسقاط النظام من بين أهدافه، بل على رأسها. ومنذ اللحظة الأولى أعلن رئيس الولايات المتحدة الأمريكية أن إسقاط النظام الإيراني من بين أهدافه وطالب الإيرانيين بالتحرك ضده. وفي الحروب يمكن لطرف محلي أن يساعد المعتدين ويدفعهم نحو عمليات من هذا النوع، أو يقوم هو بها نكاية في النظام القائم وانتقاماً منه أو للتعجيل بسقوطه. ووارد كذلك أن يقدم طرف متهور ومتطرف من القائمين على الأمر على عمل من هذا النوع تخويفاً للمدنيين من الجانب المعتدي لضمان البعد التام عنه والشعور بأن أمانهم وحياتهم مع الحكم القائم، وربما يكون هناك من هو ضد تعليم الفتيات من الأصل ويريد لهن عدم الخروج من البيت فأقدم على تصرف أهوج من هذا النوع.
الفيصل في كل هذا هو إجراء تحقيق شفاف تقوم به جهة دولية محايدة، تعاين الموقع وتسأل كافة الأطراف، وحبذا لو تبنت الأمم المتحدة مثل هذا التحقيق؛ فيبدو لي أن أطراف الصراع الثلاثة لديهم الحقيقة وليس من مصلحة أي منهم إعلانها.
وكما نرى، فإن الجريمة البشعة مفتوحة على كل الاحتمالات، وإذا لم يكن هناك طرف مدان بالكامل -حتى كتابة هذه الكلمات- في تلك الجريمة، فإنه ليس هناك طرف بريء أيضاً. إيران فشلت في حماية المرشد الأعلى ووزير الدفاع وكبار القادة، فليس غريباً الفشل في حماية مدرسة للبنات. قد يكون المرشد الأعلى -كما استنتج خبير عسكري أمريكي- مدفوعاً بالرغبة في الاستشهاد، لذا تجنب اتخاذ الإجراءات الأمنية وعقد اجتماعاً في مكتبه العادي، لكن لم يكن من حقه أن يدفع بأطفال صغار ومدنيين أبرياء إلى التهلكة. والطرف المعتدي لم يضع في حسبانه أن توقيت الهجوم هو وقت عمل في المدارس وكافة مناحي الحياة المدنية.
مرة أخرى، في الحروب يكون المدنيون هم الضحايا الأكثر والأسرع، والحقيقة أيضًا.








