للشهداء حق علينا، أن نحمى ما ضحوا من أجله، أن نبنى الوطن الذى ارتوت أرضه بدمائهم وأن نعمره بالتنمية، أن نواصل الدفاع عنه بالوعى واليقظة لكل ما يواجهنا من مخططات ومؤامرات.
ما تعرضت له مصر طوال السنوات الماضية من مخططات يؤكد انها دولة مستهدفة، وأن هذا الاستهداف مستمر ولن يتوقف، ولا بديل عن مواصلة المواجهة، التى جسدها فى أسمى معانيها شهداء الوطن الذين رفضوا الاستسلام وأصروا على أن يصونوا الأمانة ويدافعوا بأرواحهم عن مصر وترابها ومقدرات شعبها، من جيل حرب الاستنزاف الذى أذاق العدو الإسرائيلى الذل العسكرى، إلى أبطال أكتوبر الذين حققوا نصراً هو الأعظم فى التاريخ واستردوا الأرض واستعادوا الكرامة، وصولاً إلى أبطال معركة القضاء على الإرهاب وحماية الوطن من مخططات الفوضى التى ادارتها دول وأجهزة مخابرات دولية بهدف اسقاط مصر لكن كيف تسقط دولة وهبها الله جيشاً عقيدته التضحية من أجل كل ذرة تراب فى أرض الوطن.
الشهداء الذين قدموا أرواحهم فداء مصر لم يغيبوا بل مازالوا وسيظلون حاضرين، لأن أرواحهم حفظت وطناً وأقامت بناء لم يكن ليتم لولالهم.
حق هؤلاء الشهداء أن يواصل كل مواطن دورة فى الذود عن بلده ومواجهة كل ما يهددها وما يخطط لها من مؤامرات.
فى يوم الشهيد لا نحتفل بذكرى.. بل نحتفل بأيقونات قدمت معنى الفداء، وجسدت معنى الوطن، ورسخت قيمة الانتماء، فى يوم الشهيد نعظم كل شهداء الوطن الأبطال.. ونستلهم منهم روح النصر وعظمة الاصرار والتضحية.. نعيد تذكير أنفسنا وابنائنا بحكايات الأبطال.. الجنرال الذهبى عبدالمنعم رياض.. والبطل إبراهيم الرفاعى.. وقائد الشهداء أحمد المنسى ومعهم كل شهداء الوطن، ولكل شهيد حكاية ملهمة.
ملحمة مصرية خالدة
إستراتيجية الفداء.. من «أشباح» الرفاعى إلى «أسود» المنسى
ملحمة مصرية خالدة
فى سجلات الشرف العسكرى وصناعة المجد والكرامة



يمثل يوم التاسع من مارس فى الوجدان المصرى أكثر من مجرد ذكرى سنوية لتكريم الراحلين، إنه تجسيد لعقيدة عسكرية وأخلاقية تتجاوز الزمن، حيث اختلطت دماء القادة بدماء الجنود فى الخطوط الأمامية لتعلن صياغة جديدة لمفهوم القيادة والولاء فى العصر الحديث. ارتبط هذا اليوم تاريخياً باستشهاد الفريق أول عبدالمنعم رياض، رئيس أركان حرب القوات المسلحة، فى عام 1969، خلال معارك حرب الاستنزاف والذى كان يلقب بـ «الجنرال الذهبى» لنبوغه العلمى وقدرته الاستراتيجية الفائقة، وقد جسد استشهاده بين جنوده فى الخطوط الأمامية شمال الإسماعيلية أعلى درجات التضحية، حيث توجه للجبهة فى اليوم الثانى لحرب الاستنزاف ليتابع بنفسه نتائج قتال اليوم السابق، وليكون بين أبناء قواته فى أصعب الظروف.. إن اختيار هذا اليوم ليكون «يوم الشهيد» جاء اعترافاً بجميل وفضل الشهداء الأبرار الذين بنيت على دمائهم رفعة الدولة واستقرارها، وتعكس هذه المناسبة شعار «تضحيات صنعت مجدا»، مؤكدة أن دماء الشهداء هى الأساس الذى ترتكز عليه الدولة المصرية فى مواجهة التحديات الوجودية، كما تبرز الأهمية الاستراتيجية لهذا اليوم فى كونه يرسخ تقاليد القوات المسلحة فى الوفاء، حيث أقيم النصب التذكارى بمدينة نصر ليكون رمزاً للجندى المجهول ولتخليد أسماء رمزية لشهداء مصر عبر العصور، وصممه الفنان سامى رافع على شكل هرم خرسانى مفرغ يرسخ تقاليد الوفاء.
تتجلى فى يوم الشهيد رسائل عميقة استنها السيد الرئيس عبدالفتاح السيسى، تركز فى مجملها على أن حق الشهيد واجب على الدولة والمجتمع، وأن تضحيته ستظل خالصة فى ذاكرة الوطن، وأن هؤلاء الأبطال هم القدوة والمثل الأعلى للأجيال الجديدة. إن العقيدة المصرية التى ترفع شعار «النصر أو الشهادة» هى موروث يتناقل عبر الأجيال، وما يربط بين بطولات الماضى وبطولات الحاضر هو تلك الروح القتالية التى لا تعرف الانكسار مهما تغيرت طبيعة العدو أو ميدان القتال.
كان استشهاد رياض فى 9 مارس 1969 نقطة تحول استراتيجية، فقد كان فى أكثر المواقع تقدماً شمال الإسماعيلية عندما انهالت نيران مدفعية العدو فجأة، وانفجرت قذيفة بالقرب منه، مما أدى لإصابته بشظايا قاتلة فارق على أثرها الحياة أثناء نقله للمستشفى. هذا الموقف رسخ فلسفة «القائد فى المقدمة»، وهو النهج الذى سار عليه لاحقاً إبراهيم الرفاعى وأحمد المنسى.
إبراهيم الرفاعى وأسطورة «الأشباح»
يعد العميد إبراهيم الرفاعى فخر الصاعقة المصرية وأحد أهم رموز إدارة المخابرات الحربية والاستطلاع. ولد الرفاعى فى يونيو 1931 بالقاهرة لأسرة جذورها من الدقهلية، والتحق بالكلية الحربية عام 1951 وتخرج فيها عام 1954. انضم الرفاعى لأول فرقة صاعقة مصرية فى منطقة «أبو عجيلة» بسيناء، وحصل على المركز الأول بجدارة، مما أهله ليكون مدرساً بمدرسة الصاعقة.
برزت مهارات الرفاعى فى القتال غير التقليدى منذ العدوان الثلاثى عام 1956، حيث كلف بمهمة فدائية فى بورسعيد لتدمير تجمع للدبابات، ونجح فى إبادة المعسكر بالكامل. شارك بعدها فى حرب اليمن، حيث ظهرت عبقريته كقائد عسكرى استولى على منطقة «الجبل الأحمر» من القوات الملكية، وصدر قرار بترقيته استثنائياً تقديراً لأعماله البطولية.
بعد نكسة يونيو 1967، واجهت مصر تحدياً مزدوجاً تمثل فى إعادة بناء الجيش ورفع الروح المعنوية المنهارة، وتم تكليف الرفاعى بتنفيذ عمليات نوعية لتدمير مخازن السلاح والمخططات التى خلفها الجيش المصرى قبل أن تقع فى أيد العدو. نفذ الرفاعى هذه المهام تحت اسم «منظمة سيناء العربية»، والتى ضمت عناصر من الصاعقة البرية والبحرية بالإضافة إلى مدنيين من بدو سيناء.
تطورت هذه النواة لتصبح «المجموعة 39 قتال»، وهى وحدة عمليات خاصة مستقلة تتبع قيادة المخابرات ورئيس الجمهورية مباشرة، وقد اختار الرفاعى رجاله من المشهود لهم بالكفاءة القصوى، وكانت عملياتهم تهدف إلى استنزاف العدو مادياً ونفسياً وإفقاده الشعور بالأمان داخل سيناء المحتلة.
جاءت عملية «لسان التمساح الأولى» فى 19 أبريل 1969 كأقوى رد فعل استراتيجى على استشهاد الفريق عبد المنعم رياض، حيث كُلف الرفاعى بالانتقام من الموقع الإسرائيلى الذى انطلقت منه القذائف التى قتلت رئيس الأركان، وعبرت القوة فى زوارق تحت غطاء قصف مدفعى، واقتحموا الدشم الحصينة، وأسفرت العملية عن نتائج مبهرة تضمنت إبادة كل من فى الموقع تقريباً، وقتل 44 عنصراً إسرائيليا، وتدمير دبابتين وعربة نصف مجنزرة ومخازن الذخيرة، ورفع العلم المصرى فوق حطام الموقع، مما كان له أثر نفسى هائل على العدو. هذه العملية كانت سبباً فى الإعلان رسمياً عن «المجموعة 39 قتال»، وتحول الرفاعى بعدها إلى «شبح» يطارد الإسرائيليين، حيث سجلت أجهزة التنصت صرخات ذعر جنود العدو عند سماع اسم مجموعته. لقد تميز الرفاعى بروح قتالية عالية مغلفة بالإيمان فقد أصر على صيام يوم استشهاده فى 19 أكتوبر 1973، وكان شعاره الدائم «تدرب كأنك تقاتل، لأنك ستقاتل كما تدربت»، وهو ما زرعه فى نفوس أجيال لاحقة من الصاعقة.
المنسى الامتداد الطبيعى لمدرسة الرفاعى
لا يمكن فصل بطولة العقيد أحمد المنسى عن الإرث الذى تركه الرفاعى، فالعلاقة بينهما ليست مجرد تشابه فى الشجاعة، بل هى علاقة «جينية» عسكرية، ولد أحمد صابر المنسى عام 1978 بمحافظة الشرقية، والتحق بالكلية الحربية ليتخرج ضمن الدفعة 92 حربية. لم يكن منسى ضابطاً عادياً، بل كان يمتلك شغفاً بالعلم والابتكار العسكرى، حيث حصل على ماجستير العلوم العسكرية «دورة أركان حرب» وكان من أوائل الحاصلين على دورة القوات الخاصة المعروفة باسم «SEAL» عام 2001، وسافر للحصول على دورة متقدمة فى الولايات المتحدة عام 2006، وتولى قيادة الكتيبة 103 صاعقة فى أكتوبر 2016 خلفاً للشهيد العقيد رامى حسنين، وتميز منسى بكفاءة منقطعة النظير وانضباط عسكرى صارم مغلف بحسن الخلق، وكان يرى فى إبراهيم الرفاعى مثله الأعلى، حيث كان يزور قبر الرفاعى ويناجيه، وكأن بينهما لغة سرية تربط بين أبطال سيناء عبر العقود.
ملحمة البرث.. الصمود الأسطورى فى مواجهة قوى الشر
فى فجر يوم الجمعة 7 يوليو 2017، واجه أبطال الكتيبة 103 صاعقة بقيادة المنسى هجوماً إرهابياً هو الأعنف فى تاريخ العمليات بسيناء، حيث استهدف الهجوم كمين «مربع البرث» بمدينة رفح، وهو موقع استراتيجى يربط بين وسط سيناء ورفح والشيخ زويد. شارك فى الهجوم أكثر من 150 عنصراً تكفيرياً مدعومين بـ 12 عربة مدرعة وسيارات مفخخة وأسلحة ثقيلة وقناصة.
بدأت المعركة بانفجار سيارة مفخخة مدرعة بالقرب من الكمين، ورغم قوة الانفجار وسقوط عدد من الشهداء فى اللحظات الأولى، صمد الباقون فى مواقعهم. دارت معركة ضارية استمرت لأربع ساعات كاملة، كان المنسى خلالها يدير العمليات ونجح أبطال البرث فى تحقيق أهداف استراتيجية كبرى تضمنت تصــفية أكثر من 40 عنصراً إرهابياً وتدمير 6 عربات مدرعة تابعة لهم، وإحباط مخطط رفع علم «داعش» فوق الكمين، وهو ما كان يهدف الإرهابيون لتصويره كنصر معنوى، وحماية جثامين الشهداء ومنع العناصر التكفيرية من الاستيلاء على أى منها، والصمود حتى وصول قوات الدعم الجوى التى أبادت بقية العناصر المهاجمة.
تتشابه تفاصيل استشهاد الرفاعى والمنسى فى توقيتها ورمزيتها، مما يعزز فكرة «تواصل الأجيال» فى مدرسة الفداء. فكلاهما ارتقى فى «يوم جمعة» وفى خضم اشتباك مباشر مع العدو، وكلاهما كان يدرك دنو أجله ويستعد له بزهود المؤمن ويقين المحارب، فقد استشهد إبراهيم الرفاعى فى ثغرة الدفرســوار فى 19 أكتوبر 1973، خلال معارك الثغرة بمنطقة «فايد»، كان الرفاعى يقود مواجهة شرسة ضد دبابات العدو، ورفض الانسحاب وواصل القتال مع رجاله حتى اللحظات الأخيرة، وكانت هذه النهاية تتويجاً لمسيرة حافلة جعلت منه «أسطورة الصاعقة» التى لا تغيب، حيث استطاع وقف تقدم قوات شارون ومنعهم من الوصول لطريق «الإسماعيلية/القاهرة». وقد استشهد أحمد المنسى فى مربع البرث فى 7 يوليو 2017، وقبل استشهاده برصاصة قناص أصابت رأسه أثناء اعتلائه سطح مبنى الكتيبة للتعامل مع الإرهابيين، كان المنسى قد أعد وصيته، وطلب فيها ألا يغسل ولا يكفن، بل يدفن بالملابس التى حارب بها، وكأنه يريد أن يلقى ربه شاهداً على معركته الأخيرة، وكان قد جهز مقبرته قبل استشهاده بشهر، وأخبر زملاءه وأسرته بأنه يشعر بقرب نيله الشهادة.
القيادة من الأمام.. مبدأ لا يتغير
إن الرابط الحقيقى بين الرفاعى والمنسى هو «مدرسة الصاعقة المصرية» التى لا تخرج مقاتلين فحسب، بل تصيغ «شخصية وطنية» قادرة على التأثير عبر الأجيال، خاصة أن تأثر المنسى بشخصية الرفاعى لم يكن مجرد إعجاب ببطولاته، بل كان «هوساً إيجابياً» بالقيم التى مثلها الرفاعى مثل القيادة من الأمام، التواضع مع الجنود، والإيمان المطلق بالهدف. ففى مدرسة الصاعقة، الروح المعنوية للجنود مستمدة من روح القائد. كان الرفاعى يتقدم رجاله فى المعارك، وكان المنسى يرفض البقاء فى المكاتب المكيفة ويفضل التواجد فى أصعب نقاط سيناء. هذا النهج يضمن كسب ولاء الجنود، حيث يقاتلون ويموتون حول قائدهم وهم على يقين بأنه يسبقهم فى التضحية.
لا يمكن قراءة بطولات الرفاعى والمنسى بمعزل عن الأمن القومى المصرى الشامل. ففى عهد الرفاعى، كانت الصاعقة هى الأداة التى أوقفت «الغطرسة» الإسرائيلية وأثبتت أن سيناء لن تكون لقمة سائغة. وفى عهد المنسى، كانت الكتيبة 103 هى الصخرة التى تحطمت عليها أوهام «الخلافة المزعومة» فى سيناء، ومنعت انفصال أى شبر من الأرض الطاهرة. وقد أظهر التاريخ العسكرى المصرى قدرة فائقة على التكيف مع تغير العدو، فالمقاتل الذى واجه الدبابات الإسرائيلية فى 1973 هو نفسه الذى واجه المفخخات والعبوات الناسفة فى 2017، بنفس العقيدة وبنفس الإرادة. هذا التكامل يعزز من قوة وصلابة الدولة المصرية، ويجعل من القوات المسلحة الدرع الواقى الذى لا ينكسر.
يبقى يوم الشهيد فى التاسع من مارس من كل عام محطة لتجديد العهد مع الوطن، كما أن الربط بين الرفاعى والمنسى ليس مجرد استحضار للذكريات، بل هو تأكيد على أن «مصر ولادة»، وأن رحم هذا الشعب لا يتوقف عن إنجاب الأبطال الذين يصدقون ما عاهدوا الله عليه. لقد رحل عبد المنعم رياض ليترك لنا مدرسة القيادة، وجاء الرفاعى ليؤسس مدرسة الأشباح والردع، ثم جاء المنسى ليتوج هذه المسيرة بمدرسة الصمود فى وجه الإرهاب الأسود، وباتت تضحيات الشهداء «أيقونة» تلهم الشباب المصرى بأن الكرامة تستحق العناء، وأن الشهادة هى أسمى درجات الفداء لتظل راية مصر خفاقة عالية بفضل تضحيات أبنائها البواسل الذين كتبوا بدمائهم تاريخاً من النور.









