فى تقويم الأوطان العريقة، هناك تواريخ لا تُقاس بحركة عقارب الساعة، بل بنبض التضحية، والتاسع من مارس فى الوجدان المصرى ليس مجرد ذكرى لاستعادة شريط الأحداث، إن القيمة الحقيقية ليوم الشهيد والمحارب القديم تكمن فى تلك الرابطة الأبدية بين المصرى وأرضه.. فعندما يقدم المقاتل روحه فإنه يقدمها دفاعاً عن وطنه، عن حق جاره فى الأمان، وحق طفله فى المستقبل، وحق بلاده فى السيادة، هذه الروح هى التى جعلت من كل شهيد منارة تضيء طريق البناء، فالدولة المصرية تقوم على عقيدة الوفاء والفداء التى يتوارثها الأجيال، والتى تجعل من تضحية الفرد سبيلاً لحياة الجميع.
ترجع ذكرى يوم الشهيد والمحارب القديم إلى رائحة البارود على ضفاف القناة يوم التاسع من مارس عام 1969 خلال حرب الاستنزاف عندما استشهد الجنرال الذهبى الفريق أول عبد المنعم رياض رئيس أركان حرب القوات المسلحة آنذاك، وقد كان «عقلاً عسكرياً» فذاً أدرك مبكراً أن النصر لا يُصنع من المكاتب. ذهابه إلى الخطوط الأمامية فى «النقطة رقم 6» لم يكن مغامرة، بل كان «رسالة عملياتية» لجنوده بأن دم القائد هو الفداء الأول.
بسقوط «الجنرال الذهبى» شهيداً وسط جنوده، وُلدت فلسفة «القدوة القتالية» التى تدرسها الأكاديميات والمعاهد العسكرية اليوم، وكان اختيار هذا اليوم تحديداً ليكون «يوماً للشهيد» هو تكريس لفكرة أن القيادة فى مصر هى «تكليف بالاستشهاد» فى سبيل الوطن. هذه الروح هى التى سرت فى عروق أبطال أكتوبر، ثم انتقلت كأمانة مقدسة إلى جيل الأبطال الذين واجهوا خوارج العصر فى سيناء والصحراء الغربية.
ومن الزوايا التى يغفل عنها الكثيرون هى «القيمة الاقتصادية والاستراتيجية للأمن»، فلولا تضحيات الشهداء فى العقد الأخير وتفكيك بنية الإرهاب، لما استطاعت الدولة المصرية أن تضع «حجر أساس» واحد فى أى مشروع قومى.
إن الشهيد هنا هو «الشريك المؤسس» فى كل مشروع قومى يتم افتتاحه، وفى كل فدان يُستصلح، وفى كل بئر غاز يُكتشف فى أعماق البحار. استراتيجياً، لقد نجح الشهداء فى تحويل سيناء من «ساحة قتال مفروضة» إلى «أرض فرص واعدة»، حيث أن الدم الذى روى الأرض طهرها من لغم الإرهاب ليحل محله «مشرط الجراح» و«فأس الفلاح» و«آلة الصانع». نحن مدينون لهؤلاء الأبطال ليس فقط بحريتنا، بل بـ «نمونا الاقتصادى»، فالمستثمر لا يأتى إلى أرض يزعزع أمنها خائن، بل يأتى إلى وطن يحرس أحلامه أبطال لا ينامون.
وخلف كل شهيد «جيش مرابط» من الأهل. الأم التى زفت ابنها بالزغاريد، والأب الذى وقف فى الجنازة كالجبل، والابن الذى تحمل ألم الفقد والعيش يتيماً، إن هؤلاء ليسوا مجرد حالات إنسانية عابرة، بل هم «خط الدفاع النفسى» للدولة.
إن هؤلاء الأسر يمثلون «الرصيد الأخلاقى» للجمهورية الجديدة. حين نرى إبنة الشهيد تتفوق فى دراستها، فنحن أمام «امتداد بيولوجى ووطنى» للبطولة، خاصة وأن الدولة المصرية فى تعاملها مع أسر الشهداء تجاوزت مفهوم «التعويض المادى» إلى مفهوم «الدمج الوجدانى»، فتكريم الرئيس عبدالفتاح السيسى الدائم لأبناء الشهداء هو رسالة لكل جندى فى الميدان: «إنك لست وحدك، أسرتك هى أمانة فى قلب الوطن». هذا الربط النفسى هو ما يجعل العقيدة العسكرية المصرية غير قابلة للاختراق.
معركة الوعى
ولعل الوفاء للشهيد اليوم يتطلب صياغة جديدة للوعى، فلم يعد العدو دائماً يرتدى زياً عسكرياً أو يحمل بندقية، وإنما أحياناً يكون العدو «شائعة» على هاتف، أو «محاولة لإحباط» الروح المعنوية.
إن معركة الوعى هى الامتداد الحقيقى لمعارك الشهداء وتضحياتهم. الشهيد ضحى بحياته لنحيا، ونحن مأمورون بحماية هذا «الحياة» من التزييف، فكل قلم يكتب بصدق، وكل مُعلّم يغرس الانتماء، وكل صانع محتوى يبرز عظمة وطنه، هو «فدائى» فى معركة الوعى. إن دماء الشهداء تطالبنا اليوم بأن نكون «حراساً للحقيقة»، وألا نسمح لليأس أن يتسلل إلى النفوس التى دفع الأبطال أرواحهم ثمناً لكرامتها.
إن المصرى القديم كان أول من آمن بالبعث والخلود، والشهيد المصرى المعاصر هو التجسيد الحى لهذه العقيدة، فالشهيد لا يموت، بل «ينتقل» من كونه فرداً يحمل سلاحاً، إلى كونه «قيمة» تسكن فى وجدان الملايين، كما أن ذلك هو وعد الله سبحانه وتعالى للشهداء عندما قال فى كتابه الكريم «ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون * فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون».
هذا الخلود يتجسد على الأرض أيضاً فى «الميادين» التى تحمل أسماءهم، وفى «الأناشيد» التى ترددها الحناجر، وفى «الأمن» الذى يشعر به المواطن البسيط وهو يسير فى الشارع ليلاً. إن قيمة الشهادة هى التى منحت مصر «الاستمرارية التاريخية»، فبينما انهارت دول وتفككت جيوش، ظلت مصر صلبة بفضل هذه العقيدة التى ترفض الانكسار وتجعل من الموت فى سبيل الوطن قمة درجات «الحياة».
صندوق تكريم الشهداء والمصابين
وتجدر الإشارة هنا إلى الدور المؤسسى، فالدولة المصرية نجحت فى تحويل «المشاعر» إلى «حقوق». إن «صندوق تكريم الشهداء والمصابين» ليس مجرد جهة إدارية، بل هو «بيت العائلة» الذى يوفر الرعاية الصحية، والتعليمية، والاجتماعية. هذا النظام المؤسسى يضمن استدامة الرعاية بعيداً عن الأشخاص، ويجعل من تكريم الشهيد «سياسة دولة» راسخة لا تتغير بتغير الزمان، مما يعزز من تماسك الجبهة الداخلية المصرية.
ولا يسعنا فى النهاية إلا أن نؤكد أن «يوم الشهيد» هو يوم للتعلم من «أدب التضحية»، وأن هؤلاء الأبطال الذين صعدت أرواحهم إلى بارئها، تركوا لنا وطناً لا يقبل القسمة، وأرضاً لا تقبل المساومة، وأن الرد الوحيد الجدير بدماء الشهداء هو أن نبنى «مصر» التى حلموا بها وقدموا أرواحهم ودماءهم من أجلها، مصر القوية، المتقدمة، والرائدة. فليكن عملنا هو «إكليل الزهور» الذى نضعه على قبورهم، ولتكن نجاحاتنا هى «الرسالة» التى نبعث بها إليهم فى خلودهم: «لقد صُنتم الأمانة بدمائكم، ونحن نصونها بعرقنا وعملنا».









