حين يطلُّ التاسع من مارس، تقف الذاكرة المصرية فى حضرة المجد..ويعلو صوت الوفاء فوق كل الأصوات.. لنستحضر ذكرى يوم الشهيد المصرى..ذلك اليوم الذى لا يُقاس بالزمن.. بل بما يحمله من معانٍ عظيمة..كُتبت بدماء الأبطال.. إنه اليوم الذى تنحنى فيه القلوب قبل الرءوس إجلالًا لمن مضوا.. تاركين خلفهم وطنًا آمنًا.. وسماءً مرفوعةً بعزّة التضحية..ولقد خطَّ الشهداء بدمائهم الطاهرة صفحاتٍ من نور فى كتاب الوطن.. فصاروا النجوم التى تَهدى الأجيال إلى طريق الكرامة.. وصار صمت قبورهم أبلغ من آلاف الخطب والكلمات.. فالوطن الذى ينام أبناؤه فى أمان..إنما ينام على وسادةٍ من بطولاتهم.. وعلى يقينٍ بأن هناك من قدّم روحه فداءً لتظل راية مصر خفّاقة فى السماء..يأتى هذا اليوم تخليدًا ليصبح رمزًا خالدًا لمعنى القيادة التى تتقدم الصفوف..ومنذ تلك اللحظة.. صار التاسع من مارس موعدًا سنويًا لتجديد العهد مع الشهداء، بأن تظل مصر وفيةً لتضحياتهم، حافظةً لأسمائهم فى وجدانها، وذاكرتها، ومستقبلها.
إن يوم الشهيد ليس مجرد ذكرى نحييها، بل رسالة تتجدد فى ضمير الأمة: أن الأوطان تُصان برجالٍ صدقوا ما عاهدوا عليه أوطانهم..وأن الدم الطاهر الذى رُويَت به أرض مصر سيظل دائمًا بذرةً للكرامة، ونورًا يضيء درب الأجيال القادمة..وقصةً لا تنتهى من الفداء والعزة.
دماء كتبت معانى العزة والكرامة .. وأرواح عرفت قيمة تراب الوطن
أبطال يحملون أرواحهم دفاعًا عن أرضهم وأعراضهم
دماء الشهداء هى الحِبر الأصدق الذى كُتبت به معانى العزة والكرامة، فقد ارتقوا بأرواحهم ليصنعوا للحياة معنى أعمق، وللوطن أفقًا أكثر أمنًا وطمأنينة..وللشهيد فى وجدان الأمة مكانة لا تُقاس بميزان الدنيا وحدها، بل تمتد جذورها إلى ميزان السماء حيث يعلو قدر التضحية ويعظم الجزاء.. ولقد منح الإسلام للشهيد منزلة خاصة، فرفع مقامه، وبشّره بالحياة عند الله، وجعل دمه الطاهر رمزًا للفداء والصدق والإخلاص.. وجعل الشهادة أسمى مراتب العطاء حيث يقدّم الإنسان روحه دفاعًا عن الحق والوطن والكرامة.. ومن هنا صار الشهيد فى الوعى الإسلامى حيًّا فى ذاكرة الأمة ووجدانها، ولا يُطوى اسمه فى صفحات الغياب، بل يبقى شاهدًا على أن التضحية طريقٌ لصناعة التاريخ..وفى عيون الوطن لا يُنظر إلى الشهيد باعتباره رقمًا فى سجل البطولات، بل قصة حياةٍ كاملةٍ اختُتمت بفصلٍ من المجد.. فكل شهيد حكاية وطنٍ يردّ الجميل بالوفاء والتكريم، وحكاية أجيالٍ تتعلم من معنى التضحية أن الأوطان لا تُبنى بالكلمات وحدها، بل تُبنى بدماء الرجال.
تتجدد ذكرى يوم الشهيد المصرى كل عام، لتذكرنا بأن تضحيات الأبطال ليست مجرد ذكرى عابرة، بل عهدٌ متجدد بين الوطن وأبنائه: أن يظل دم الشهيد نورًا يهدى الطريق، وأن تبقى مصر وفية لمن كتبوا بدمائهم أروع معانى الانتماء.
علماء الدين شرحوا مكانة الشهيد فى الإسلام، ومقامه فى ضمير الوطن، وكيف تلتقى القيم الدينية مع المعانى الوطنية فى تقدير تلك التضحية العظيمة التى صنعت تاريخ الأوطان ورفعت راياتها..مطالبين ترجمة حقوق الشهداء إلى واقع مجتمعى بالمحافظة على مؤسسات الوطن وبناء مستقبله بما يبعث للشهداء برسائل مضمونها: أن أرواحهم وجدت من يعرف قدرها.
أوضح د. أبو بكر عبد الصمد وكيل كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر أن الشهداء ضحوا بأرواحهم دفاعا عن الأرض والعِرض لنعيش حياة آمنة كريمة، لذا يجب ذكرهم فى كل مناسبة وتدريس أمجادهم للأجيال حتى يكونوا قدوة لمن بعدهم من الشباب، وقد أحسنت الدولة حينما قامت بتأسيس هيئة لرعاية أُسر الشهداء، وتفقد أحوالهم وكفالتهم، وتلك سُنة نبوية مباركة، فقد ذكر المؤرخون أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه خرج ذات يوم إلى السوق ولحقت به إمرأة، وقالت: يا أمير المؤمنين، هلك زوجى وترك صبية صغارا، وإنهم لا يجدون طعاما، وليس عندهم زرع ولا ضرع، وأن أبيها شهد غزوة الحديبية مع النبى صلى الله عليه وسلم، فوقف معها عمر، ثم قال: مرحبا بنسب قريب، ثم انصرف إلى بعير، فحمل عليه طعاما، ونفقة وثيابا، وحينما حاول البعض أن يستفسر عن سبب العطاء الكثير الذى منحها إياه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، أجابهم بأن أباها وأخاها أحد أسباب الفتح الإسلامى الذى يعيش الناس فى خيراته، معلنا ضرورة الوفاء بحقوق الشهداء ورعاية أهلهم وإكرام أتباعهم، كما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما استشهد جعفر بن أبى طالب فى غزوة «مؤتة» وترك أطفالا صغارا، تولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم، وكفالتهم
موضحا أن الشهيد فى مقعد صدق عند مليك مقتدر فحينما علم النبى صلى الله عليه وسلم نبأ استشهاد ابن عمه جعفر قام بإبلاغ زوجته، ومسح على رأس أولاده وعيناه تغرقان بالدموع، ثم قال لزوجته: يا أسماء ألا أبشرك، إن الله قد جعل لجعفر جناحين يطير بهما فى الجنة، ثم قام صلى الله عليه وسلم وأخذ بيد عبد الله بن جعفر يمسح رأسه ثم صعد المنبر، وأجلس عبد الله أمامه على الدرجة السفلى، ثم قال: إن المرء كثير بأخيه وابن عمه، ألا إن جعفرا قد استشهد، وقد جعل الله له جناحين يطير بهما فى الجنة، ثم نزل ودخل بيته وأمر بطعام يصنع لآل جعفر.
فيما أشار د. محمود حسين عميد كلية أصول الدين جامعة الأزهر أن معايير التقدم عند الأمم منذ الأزل يقوم على تضحيات أبنائها المخلصين لوطنهم، ممن رفضوا أن يكون وطنهم محل ذل وانكسار للعدو، وإن تراب الوطن غالٍ ونفيس لا يرويه إلا دماء طاهرة، وكل قطرة نمن دماء الشهداء تعبير صريح عن محبة الوطن، والاستشهاد فى سبيل الله تبعث لنا رسالة مضمونها أن الأوطان تستمد كرامتها ومقامها من أرواح أبنائها الذين يعرفون معانى التضحية ويؤمنون أن قيمة الأرض والعرض أعلى من البقاء على الحياة الدنيا.
مضيفا أن سجلات التاريخ ستظل تحكى للحاضر والقادم بطولات وأمجاد الذين سبقونا بأرواحهم لكن ذكراهم فى النفوس باقية وآثارهم بين الناس خالدة شاهدة على عظمة ما قدموه لوطنهم ومواطنهم، وإذا كانت الدولة تحتفى بالشهداء وأهلهم وترعاهم فإن المواطن العادى عليه واجب أن يحتفى بأبناء الشهداء، وعلى التربويين فى المؤسسات التعليمية احتواء ابناء الشهداء حتى يساعدوهم على نسيان مرارة فقدان الأب، وأن نغدق عليهم الحنان والحب، ومشاعر الفخر، ونعزز قيمة الوطن والشهيد فى نفوسهم ونرسل لهم رسائل إيجابية تؤكد لهم أن الشهداء فخر يتجدد، ومثال يحتذى، وأن الوطن سيذكرهم بكل حب وفخر
أوضحت د. إيمان إبراهيم واعظة بوزارة الأوقاف أن الأمن الذى يعيشه المواطن العادى لا يشعر بقيمته إلا من حاصرت حياته نيران الإرهاب الفكرى أو السلوكى، أو صار يخشى على حياته وقادمه بسبب طغيان خارجى يطمع فى خيرات وطنه وأرضه، هذا الأمن نعمة من أنعم الله على عباده، ولأن الشرائع تقوم على منهجية الأخذ بالأسباب لذا فإن الله تعالى اصطفى أبطالا فى صورة رجال، يحملون أرواحهم على أيديهم يبذلونها فى سبيل الدفاع عن أرضهم وأعراضهم، لا يهابون الموت بل يحرصون عليه حرص عدوهم على الحياة، ولولا هؤلاء الشجعان لما عاش غيرهم، وأعظم الجود جود الأرواح، وأصدق العطاء عطاء الحياة ، وهذا ما فعله الشهداء حينما قدموا حياتهم قربانا لأبناء وطنهم حتى تظل رايتهم مرفوعة وهامتهم عالية بين الأمم.
أضافت أن الوفاء لدماء الشهداء يتحقق بالمحافظة على الوطن ومقدراته وممتلكاته العامة من مرافق ومبان والمساهمة فى تقدمه، حتى نقول لهم نحن على العهد ولن ننساكم وسنظل محافظين على هذا الوطن ووحدة وسلامة أراضيه









