وقفت «فرح» «الطفلة»بين أبيها وأمها، تنظر إلى وجهين كانا يوما عالمها الخاص. لحظة صمت قصيرة ..لكنها رهيبة قبل السؤال القاسى من القاضى : مع من تريدين أن تعيشي؟
مشهد من مسلسل «كان يا ما كان» جعل الملايين يتسمرون أمام الشاشة.. يشعرون بغصة فى الحلق ويعيون مشاهدته أكثر من مرة؟
الحقيقة أن المشهد لم يكن تمثيلا؛ بل كان «نزيفا» يشبه حياة آلاف الأطفال فى واقعنا المؤلم. طفلة صغيرة تقف بين والديها، ويُطلب منها أن تحسم ما لا يجب لطفل أن يحسمه: مع من تبقي.. ومن تترك؟ مع من تكمل.. ومن يذهب؟ فى تلك اللحظة رأى المشاهدون وجوه أطفال يعرفونهم، وتذكروا مشاهد ربما عاشوها هم أنفسهم، ولهذا بكت القلوب قبل العيون.
الدراما أحيانًا تكون أرحم من الواقع؛ والمؤلف كان رءوفا بالمشاهدين، ففى المسلسل ينتهى المشهد وتنطفئ الكاميرا، أما فى الحياة فالمأساة تتكرر كل يوم فى محاكم الأسرة، حيث يجد الصغار أنفسهم فى منتصف معركة لا تخصهم، وقودها القانون والاتهامات والكراهية، وثمنها براءة تُذبح على مذبح العناد.. وتُنحر على يد الآباء والأمهات.
المشكلة أن كل طرف يأخذ موقفا مغايرا بعد عملية الاختيار؛ فتجد «أبا ظالما» قرر بقلب ميت الانتقام من ابنائه وأن يعاقبهم لأنهم اختاروا امهم .. يتوقف عن النفقة، أو يدفع الفتات الذى لا يسمن ولا يغنى من جوع رغم قدرته، وكأنه يرسل رسالة: «اخترتم أمكم، فلتتحملكم وحدها». وتتحول النفقة ومصروفات التعليم، التى هى حق أصيل للأطفال، إلى وسيلة عقاب جماعية، فيكبر الطفل وكل يوم يسمع أسطوانة انه «سابك ورماك»فيتولد الكره وتزيد الفجوة وتنقطع أوصال الرحمة.. وبالطبع اذا اختار الطفل الاب فسيكون تشويها يوميا للام..
وفى الجهة الأخرى يبرز نموذج «الأم الجاحدة»، التى لم تعد ترى فى طفلها الذى اختارها إلا سلاحا للفتك. تبدأ باستغلال القانون لرفع قضايا «غيابية» تباغت بها الأب، وتستولى على حقوق لا تستحقها وتطارده بأحكام لا يعلم عنها شيئًا حتى يجد نفسه محاصرا بتهديد السجن وتشويه السمعة. تسعى جاهدةً لتشريده خلف القضبان وتحويل حياته إلى جحيم من الملاحقات، غير مكترثة بما يتركه ذلك من ندوب غائرة فى نفسية طفلها الذى يرى والده «مطاردا» بفضل تدبير أمه.. وتكتمل الدائرة بمنع تنفيذ حكم الرؤية بكل جبروت، لتحرم الطفل من والده. وقد يحدث ما هو أشد مرارة؛ فإذا اختار الطفل العيش مع أبيه، تقرر هى إغلاق قلبها وبيتها فى وجهه، وكأن اختياره «خيانة» لا تُغتفر، فيجد الطفل نفسه مطرودا من الملاذ الذى كان يفترض أن يكون مأمنه الأول.
هنا يتحول المشهد من «صراع كبار» إلى «مأساة صغار». فالطفل الذى طُلب منه أن يختار يُعاقب فى الحالتين. إن اختار أمه غضب الأب وجف نبع ماله، وإن اختار أباه انكسرت الأم وأغلقت بابها. وفى الحالتين يدفع الصغير ثمن قرار لم يكن يجب أن يُطرح عليه أصلا. هو لا يفهم تفاصيل القوانين، ولا تهمه أوراق القضايا؛ كل ما يدركه أن أمانه قد انقسم إلى بيتين، وأن قلبه تمزق بين طرفين يستخدمه كل منهما وسيلة ضغط.
فهل وُضعت قوانين الأحوال الشخصية لحماية الأطفال… أم أصبحت أحيانا ساحة لتصفية الحسابات بين الكبار؟









