في عام 1785م قام الفيلسوف الإنجليزي (جيريمي بنتام) بتصميم نوع من السجون- السجن الدائري- يسمح بمراقب واحد يقوم بمراقبة جميع السجناء دون أن يكون المسجونين قادرين على معرفة ما إذا كانوا مراقبين أم لا.
ومع استحداث أدوات أو أجهزة مراقبة فائقة التكنولوجيا أصبحنا نعيش في عالم مراقب تستحيل معه الخصوصية أو الاستقلال الذاتي فهل نحن سجناء هذا العالم دون أن ندرى؟ في مسلسل عين سحرية اللائق بالمشاهدة تحول المراقب الشخصي إلى كاميرا خفية تراقب المنحرفين في نطاق معين تحت شعار يبدو عادلاً وهو اضبط وعاقب من أجل عدالة فورية.
من خلال التحليل النقدي الذي قام به الفيلسوف الفرنسي (ميشيل فوكو) لكيفية انتقال سلطة العقاب البدني العلني إلى آليات انضباط خفية ومجهرية توجز فكرة المراقبة التي تهدف إلى وجود أجساد مطيعة من خلال هذه المراقبة، لكن هذه الأجساد المطيعة صارت لاحقاً مادة للقهر والابتزاز والسيطرة والتحكم في مصائرها، وهنا تحولت المراقبة من أداة لتهذيب السلوك إلى عقاب أكثر عذاباً وخطورة من العقاب البدني.
وهنا لا تأتي السيطرة من عملية الإخضاع الناجمة عن المراقبة بل من المعرفة التي تتحول إلى توثيق أو مستندات أو ملفات تتعقب فرداً أو جماعة والقيام بتصنيفهم إلى طبيعيين أو منحرفين، ومن ثم تحويلهم لاحقاً إلى تابعين مسيطر عليهم.
غير أن الطبيعة الإنسانية تفترض سلوكيات غريبة أو غير متوقعة من أكثر الأفراد طبيعية، وهنا تلتقط المراقبة هذه اللحظات أو المواقف التي يمارسها الناس في ظل خصوصياتهم دون شعور بعدم التربص أو المراقبة.
قد يكون من العدالة كشف المنحرفين أو الفاسدين من خلال المراقبة لسلوكياتهم ، لكن الأمر قد يخرج عن نطاق تحقيق العدالة بصورة موثقة إلى نوع من السيطرة النفسية وتقييد العمل أو الحركة أو العلاقات.
وهنا يتم اجتياح الخصوصية لغرض السيطرة وحصار الضحية أو عزلها مجتمعياً. ومتى تمت المراقبة وتم التعرف عليها ولو لمرة واحدة فإن الشعور النفسي الدائم بها حتى لو لم يكن حقيقياً يظل قائماً.
ومن المراقبة للفرد إلى مراقبة الدول تعمل الأقمار الصناعية التي لا تقتصر على ما هو معرفي أو علمي بل هي أقمار تجسس في المقام الأول تجوب الأرض لمراقبة الأنشطة لأغراض استراتيجية وحربية مثل كشف مواقع الصواريخ المخفية وتتبع تحركات القوات العسكرية. ومن الفرد إلى الدولة، وبالعكس تتم المراقبة على نحو يعد تدميراً لخصوصية الحياة الإنسانية، ويتجاوز حدود البحث المعرفي أو البحث عن العدالة من خلال الصور أو المشاهد الموثقة إلى مراقبة جماعية.
وأخيرًا جاءت تكنولوجيا التعرف إلى الوجه من خلال الذكاء الاصطناعي لتصبح آفاقاً مرعبة لعملية مصادرة العواطف الإنسانية بعد اختراق المهام والوظائف.









