14 تخصصًا يواجه البطالة.. و10 حلول لإنقاذ التعليم الجامعى
بعد مطالبة الرئيس عبدالفتاح السيسى بتطوير التعليم ودراسة إلغاء بعض التخصصات الجامعية التى لم تعد تتناسب مع سوق العمل، ظهرت أسئلة مهمة جدًا يطرحها الكثيرون، من بينها ما هى التخصصات التى نحتاج مراجعتها فى ضوء تطورات السوق وفرص العمل؟ وهل سيتأثر نظام البكالوريا المصرية الجديد بعد إلغاء هذه التخصصات؟
لم يعد اختيار التخصص الجامعى قرارًا عاديًا كما كان فى الماضي، بل أصبح أحد أهم القرارات التى تحدد مستقبل الخريجين المهنى. فهناك تغييرات متسارعة فى الاقتصاد العالمى والتكنولوجيا الحديثة جعلت سوق العمل أكثر انتقائية، يبحث عن مهارات محددة وتخصصات بعينها، بينما تراجع الطلب على بعض التخصصات التقليدية التى كانت فى عقود مضت الأكثر انتشارًا بين الطلاب.
فى البداية يمكن التأكيد على أن تقليل أو إعادة تنظيم بعض التخصصات الجامعية قد يؤدى إلى تأثير غير مباشر على نظام البكالوريا الجديد، خاصة مع الاتجاه إلى ربط الدراسة فى النظام الجديد باحتياجات سوق العمل، ففكرة تطوير التعليم تقوم أساسًا على توجيه الطلاب مبكرًا نحو المجالات التى يحتاجها المستقبل مثل التكنولوجيا والعلوم التطبيقية، بدلاً من التوسع فى التخصصات التى تعانى من تشبع كبير فى أعداد الخريجين.
وقد ينعكس أى تغيير فى خريطة التخصصات الجامعية على مسارات الدراسة فى المرحلة الثانوية، بحيث يتم تشجيع الطلاب على الاتجاه إلى مجالات المستقبل مثل الذكاء الاصطناعى وعلوم الحاسب والهندسة التطبيقية والاقتصاد الرقمى ومع ذلك لا يعنى هذا الاتجاه إلغاء التخصصات الإنسانية أو النظرية بشكل كامل، فهذه العلوم تظل ضرورية فى بناء المعرفة والثقافة فى مرحلة التعليم قبل الجامعى والتوجه العالمى حاليا يميل إلى تقليل الأعداد المقبولة فى بعض التخصصات بما يتناسب مع احتياجات السوق مع تطوير مناهجها وربطها بالمهارات الحديثة.
أرقام الخريجين
الأرقام تقول انه يتخرج فى الجامعات المصرية سنويًا ما يقرب من 600 إلى 750 ألف خريج فى مختلف التخصصات، بينما لا يستوعب سوق العمل سوى جزء محدود منهم، خاصة من خريجى بعض الكليات النظرية التى أصبحت تعانى من حالة تشبع واضحة والنتيجة أن عشرات الآلاف من الشباب يتخرجون سنويًا فى بعض الكليات دون أن يجدوا فرص عمل تتناسب مع تخصصاتهم، مما يخلق فجوة واضحة بين مخرجات التعليم الجامعى واحتياجات الاقتصاد المصرى والعالمي.
مصر مثلها فى ذلك مثل كثير من دول العالم ظهرت فيها فجوة واضحة بين مخرجات التعليم الجامعى واحتياجات سوق العمل ، الجامعات تخرج أعدادًا ضخمة من بعض التخصصات النظرية، فى حين يزداد الطلب على تخصصات تكنولوجية وعلمية حديثة، وهذه الفجوة أدت إلى ارتفاع معدلات البطالة بين خريجى بعض الكليات، بينما تعانى قطاعات أخرى من نقص الكفاءات.
ومن بين التخصصات التى تعانى من حالة تشبع كبيرة فى سوق العمل بعض الأقسام فى كليات الآداب، مثل التاريخ والجغرافيا وعلم الاجتماع والمكتبات والمعلومات حيث تعتمد هذه التخصصات غالبًا على سوق التدريس، وهو ما يجعل فرصة العمل محدودة أمام خريجى هذه الأقسام مقارنة بعدد الخريجين، بالإضافة إلى ذلك تأتى الفلسفة ضمن التخصصات الأكاديمية المهمة فكريًا، لكنها لا توفر فرصًا واسعة فى سوق العمل ورغم أهمية هذه التخصصات من الناحية الأكاديمية والثقافية، فإن فرص العمل المرتبطة بها تظل محدودة مقارنة بالأعداد الكبيرة من الخريجين سنويًا.
وينطبق الأمر نفسه على كلية التربية الفنية والرياضية وبعض تخصصاتهم حيث تتركز فرص العمل فى التدريس وبعض الأندية والمؤسسات التى لا تستوعب سوى نسبة قليلة جدا من الخريجين.
أما فى كليات التجارة، فتبرز أقسام إدارة الأعمال العامة والمحاسبة والاقتصاد والتأمين، حيث تكمن المشكلة فى أن كثيرًا من هذه التخصصات ما زالت تدرس بطريقة تقليدية، بينما تغيرت احتياجات سوق العمل بشكل كبير، فلم يعد السوق يبحث عن محاسب تقليدى فقط، بل يحتاج إلى متخصصين فى التحليل المالى الرقمي، ونظم تخطيط الموارد، والتكنولوجيا المالية، وتحليل البيانات.
كليات الحقوق أيضًا واحدة من الكليات التى ستظل مطلوبة بشدة لكن بأعداد أقل كثيرا عن خريجيها الآن، حيث يتخرج فيها سنويًا أعداد ضخمة من الخريجين مقارنة بعدد الفرص المتاحة فى مجالات المحاماة والقضاء أو العمل القانونى فى الجهات والمؤسسات المختلفة وهو ما يؤدى إلى صعوبة المنافسة داخل سوق العمل.
مجال الإعلام حاليا تغيرت قواعده أيضا بشكل جذرى والإعلام التقليدى لم يعد وحده «المسيطر» ، بل أصبح الإعلام الرقمى وصناعة المحتوى والتسويق الإلكترونى وتحليل البيانات الإعلامية هى المجالات الأكثر طلبًا، وبالتالى فإن خريج كليات الإعلام وأقسام الإعلام والصحافة الذى لا يمتلك مهارات رقمية حديثة يواجه صعوبة فى العثور على فرصة مناسبة، كما توجد فى كليات الزراعة تخصصات لم تعد تلبى احتياجات السوق بالصورة المطلوبة مثل «الإرشاد الزراعى».
والحقيقة التى يجب التأكيد عليها أن المشكلة ليست دائمًا فى التخصص نفسه، بل فى غياب المهارات المصاحبة والتى تطورت عالميا بشدة وتحتاج إلى تغيير فى مناهج الدراسة، فالعالم اليوم لا يبحث عن شهادة جامعية فقط، بل كما أشار الرئيس عبدالفتاح السيسي، العالم يبحث عن الخريج الذى يمتلك مهارات متعددة مثل إتقان اللغات الأجنبية، والقدرة على استخدام التكنولوجيا، والتدريب العملي، والمرونة فى التعلم المستمر.
تكشف التجارب الدولية أن نجاح التعليم الجامعى لم يعد يقاس بعدد الخريجين فقط، بل بتأهيلهم وبمدى توافق تخصصاتهم مع احتياجات الاقتصاد.
وتشير تقارير الاتحاد الأوروبى لمتابعة التعليم والتدريب إلى أن نسبة توظيف خريجى التخصصات العلمية والتكنولوجية تصل إلى نحو 89 ٪، بينما ترتفع إلى أكثر من 91 ٪ فى تخصصات الهندسة والتصنيع، وهو ما يعكس الطلب العالمى المتزايد على هذه المجالات.
كما تؤكد دراسات سوق العمل الدولية أن بعض التخصصات الإنسانية والفنية تسجل معدلات بطالة أعلى نسبيًا، فى الولايات المتحدة، حيث تصل نسبة البطالة بين خريجى «الأنثروبولوجيا» إلى نحو 9 ٪، والفنون الجميلة إلى نحو 7 ٪ وفق تحليل بيانات سوق العمل الذى نشره موقع «Visual Capitalist» وأقل التخصصات من حيث البطالة حاليًا هى علوم التغذية، علوم البناء، علوم الحيوان والنبات، الهندسة المدنية، التربية الخاصة، هندسة الطيران، التمريض، تعليم الطفولة المبكرة، وعلوم الأرض، حيث تتــراوح معدلات البطالة فيها بين 0.4 ٪ وأقل من 2 ٪.
وظائف أقل من المؤهلات
ويشير تحليل بنك الاحتياطى الفيدرالى فى نيويورك إلى ما يقرب من 40 ٪ من خريجى الجامعات الجدد يعملون فى وظائف أقل من مؤهلاتهم أو خارج تخصصاتهم وهو ما يعكس اتساع الفجوة بين التعليم وسوق العمل فى كثير من دول العالم.
كما تشير تقارير سوق العمل المحلية والدولية إلى أن السنوات القادمة ستشهد طلبًا متزايدًا على عدد من التخصصات المرتبطة بالتكنولوجيا والاقتصاد الرقمى والقطاعات الإنتاجية وهى (الذكاء الاصطناعى وعلوم البيانات – هندسة البرمجيات وتكنولوجيا المعلومات- الأمن السيبرانى – الهندسة الطبية الحيوية- هندسة الطاقة المتجددة – اللوجستيات وسلاسل الإمداد – الهندسة الصناعية والتصنيع المتقدم – التمريض – التخصصات الطبية المساعدة – التكنولوجيا المالية «FinTech – إدارة المشروعات والتخطيط الاستراتيجى.
الحلول المطلوبة
تتمثل الحلول لمعالجة فجوة التخصصات وسوق العمل فى إعادة رسم خريطة التخصصات الجامعية وفق احتياجات سوق العمل الفعلية وتقليل أعداد المقبولين فى التخصصات التى تعانى من تشبع كبير فى الخريجين، مع التوسع فى التخصصات التكنولوجية مثل الذكاء الاصطناعى وعلوم البيانات والأمن السيبرانى وتحديث المناهج الجامعية لتواكب التطور التكنولوجى والاقتصادي.
كذلك يتطلب الأمر زيادة التدريب العملى داخل الشركات والمصانع أثناء الدراسة الجامعية وقبل الجامعية والتوسع فى الجامعات التكنولوجية والتعليم التطبيقى المرتبط بالصناعة مع ربط الجامعات مباشرة بسوق العمل عبر شراكات مع القطاع الخاص.
توعية طلاب الثانوية بالتخصصات المطلوبة قبل إختيار المسار الجامعى مع إضافة مهارات إجبارية للطلاب مثل اللغات الأجنبية والمهارات الرقمية والأهم إنشاء قاعدة بيانات وطنية ترصد احتياجات سوق العمل سنويًا لتوجيه سياسات القبول بالجامعات.









