لم تعد الجامعة فى عالم اليوم مجرد قاعات للمحاضرات أو معامل للبحث العلمى، بل أصبحت مساحة أوسع لتشكيل الوعى وبناء الشخصية الإنسانية المتوازنة.. فالعلم وحده لا يكفى لصناعة مستقبل آمن ومستقر، ما لم يكن محاطًا بمنظومة قيمية راسخة توجهه وتمنحه البوصلة الأخلاقية.. ومن هنا تكتسب اللقاءات الفكرية والحوارية التى تجمع بين العلماء والشباب أهمية خاصة، لأنها تفتح الباب أمام فهم أعمق للعلاقة بين المعرفة والقيم.
وفى هذا السياق جاء اللقاء الحوارى الذى عقده معهد إعداد القادة ضمن فعاليات ملتقى «قيم»، واستضاف فضيلة الأستاذ الدكتور نظير عياد مفتى جمهورية مصر العربية، للحديث مع طلاب الجامعات حول «القيم وبناء وعى الشباب».. لم يكن اللقاء مجرد مناسبة رسمية أو فعالية بروتوكولية، بل كان مساحة حقيقية للحوار حول سؤال جوهرى: كيف يمكن للشباب أن يجمعوا بين التفوق العلمى والوعى الأخلاقى فى زمن تتسارع فيه التحديات الفكرية والاجتماعية؟
طرح المفتى رؤية واضحة مفادها أن الدين فى جوهره ليس مجرد شعائر تُؤدى، بل منظومة متكاملة لبناء الإنسان.
هذه الفكرة تحمل رسالة مهمة للشباب، خاصة فى ظل عالم رقمى مفتوح تتداخل فيه الأفكار وتتزاحم فيه المعلومات. فالشاب الذى يمتلك وعيًا قيمياً راسخًا يصبح أكثر قدرة على التمييز بين ما يبنى الإنسان وما يهدمه، وبين الفكر المستنير والأفكار المتطرفة أو المشوشة.
ومن أبرز القضايا التى طُرحت خلال اللقاء مسألة تحرى المعلومة الصحيحة فى عصر تتدفق فيه الأخبار عبر المنصات الرقمية بلا ضوابط واضحة.. فوسائل التواصل الاجتماعى، رغم ما توفره من فرص للتواصل والمعرفة، أصبحت أيضًا بيئة خصبة للشائعات والأفكار المغلوطة.
ومن هنا جاءت الدعوة إلى أن يتحلى الشباب بالوعى النقدى، وأن يعتمدوا على المصادر الموثوقة فى المعرفة والفتوى والمعلومة، لأن الشاب الواعى لا يحمى نفسه فقط من التضليل، بل يسهم أيضًا فى حماية المجتمع من انتشار الأفكار السلبية أو المضللة.
الرسالة الأهم التى يمكن استخلاصها من هذا اللقاء أن الجامعة الحديثة لم تعد مؤسسة تعليمية تقليدية، بل أصبحت شريكًا أساسيًا فى صناعة الوعى الوطنى والفكرى.. فإلى جانب نقل المعرفة، تتحمل الجامعات مسئولية إعداد جيل قادر على التفكير النقدى، ومتمسك فى الوقت نفسه بقيمه وهويته.
ومن هنا تأتى أهمية المبادرات والملتقيات الفكرية التى تنظمها مؤسسات التعليم العالى، لأنها تسهم فى ربط العلم بالقيم، وتمنح الشباب مساحة للحوار والتفكير والتساؤل.
إن بناء الإنسان هو المشروع الأهم لأى دولة تسعى إلى مستقبل مستقر ومزدهر.. وهذا البناء لا يتحقق بالعلم وحده، ولا بالقيم وحدها، بل بتكامل الاثنين معًا.
وفى الختام، يبرز الدور المهم الذى يقوم به معهد إعداد القادة فى ظل رؤية مديره الدكتور كريم همام مستشار وزير التعليم العالى كإحدى المنصات الوطنية الرائدة فى بناء وعى الشباب وصقل شخصياتهم، حيث لم يعد دوره يقتصر على تنظيم الفعاليات والأنشطة الطلابية فحسب، بل أصبح مساحة حقيقية للحوار والتنوير وتبادل الأفكار بين الشباب وقامات الفكر والدين والثقافة.. ومن خلال هذه الجهود المتواصلة، يواصل المعهد ترسيخ رسالته فى إعداد جيل واعٍ يمتلك العلم والقيم معًا.









