تجديد الخطاب الدينى لا يعنى المساس بالثوابت
لغتنا العربية وعاء الهوية وذاكرة الأمة

حوار : منى جاد
قباب الأزهر الشريف التى حملت على عاتقها همَّ الوسطية ونور البيان لأكثر من ألف عام، برزت تحتها شخصيات استثنائية جمعت بين رصانة العالِم، ووعى المفكر، وقلب المربى واحدة من تلك الشخصيات د. نهلة الصعيدى مستشار شيخ الأزهر وعميد كلية العلوم الإسلامية والعربية للطلاب الوافدين بجامعة الأزهر، ورئيس مركز تطوير تعليم الطلاب الوافدين والأجانب، حيث تمثل تجربة إنسانية وعلمية ثرية، صنعت حضورها بالاجتهاد، ورسّخت مكانتها بالكفاءة، وكتبت سطورها بالصبر والإخلاص.. والمتابع مسيرتها يرى أنها تجمع بين الريادة ومسئولية الكلمة، وعمق الاجتهادُ وثوابتَ الهوية، وحين اختارها فضيلة الإمام الأكبر د.أحمد الطيب شيخ الأزهر لتكون أول سيدة تتولى منصب مستشار الإمام الأكبر لشئون الوافدين، لم يكن القرار مجرد تمكينٍ إدارى، بل رسالة ثقة فى عقلٍ مستنير، وقلبٍ واعٍ، ورؤيةٍ قادرة على مدّ جسور التواصل بين الأزهر والعَالم.. ومنذ ذلك الحين، تحوّل الموقع إلى مساحة عمل دءوب، وحوار حضارى، وحلمٍ متجدد بأن يظل الأزهر قبلة العلم ومركز الاعتدال.
فى هذا الحوار، نقترب من رؤيتها عن دور الأزهر فى زمن التحولات، وتجربتها فى خدمة الطلاب الوافدين، وإيمانها أن العلم رسالة قبل أن يكون وظيفة، وأن القيادة تكليف قبل أن تكون تشريفًا.. حوار لا يكتفى بسرد الوقائع، بل يكشف عن روحٍ تؤمن أن البناء الحقيقى يبدأ من الإنسان.. وأن الكلمة الصادقة قادرة على صناعة الأثر.
> بداية.. عام 2022 كان محطة فارقة فى مسيرتكم، حين وضع فضيلة الإمام الأكبر د. أحمد الطيب شيخ الأزهر ثقته فيكم كأول سيدة تتولى منصب مستشار شيخ الأزهر، كيف استقبلتم هذا القرار؟
ـ حين أُبلغتُ بقرار فضيلة الإمام الأكبر، شعرتُ أننى أمام أمانة ثقيلة قبل أن أكون أمام تكريم شخصي، أدركت أن القرار لم يكن تمكينًا لسيدة، قدر ما كان تأكيدًا أن الأزهر مؤسسة تؤمن بالكفاءة، وتقرأ الواقع بعين واعية، وتمنح الفرصة لمن يستحق دون النظر إلى النوع، بل إلى القدرة والعطاء، فكان القرار رسالة حضارية للعالم أن الأزهر الشريف يحمل مشروعًا إصلاحيًا متوازنًا، يعتز بثوابته وينفتح على معطيات العصر، ومنذ اللحظة الأولي، وضعت نصب عينى أن أكون على قدر هذه الثقة، وأن أجعل من المنصب مساحة للعمل لا للوجاهة.
> بعد هذه الفترة فى المنصب، كيف تقيّمين التجربة؟
ـ التجربة ثرية وممتدة، مليئة بالتحديات والإنجازات، وتعلمت خلالها أن العمل فى مؤسسة بحجم الأزهر يتطلب حكمة وعِلْما، وأن النجاح الحقيقى ليس فى القرارات الكبرى فقط، بل فى التفاصيل اليومية التى تمس حياة الطلاب والدارسين، وأستطيع القول إننا قطعنا خطوات مهمة فى تطوير منظومة رعاية الوافدين، سواء من حيث المناهج، أو الخدمات، أو الدعم الاجتماعى والنفسي، لكننى أؤمن أن طريق التطوير لا يتوقف، فكل إنجاز يفتح بابًا لطموح أكبر.
> اختياركم ضمن قائمة أكثر 50 سيدة تأثيرًا فى مصر.. ماذا يعنى لكم هذا التكريم؟
ـ تقدير أعتز به.. لكنه فى جوهره تكريم لمؤسسة آمنت بي، وفريق عمل بذل جهدًا مخلصًا، وأنا على يقين أن التأثير الحقيقى ليس فى الألقاب، بل فى الأثر الذى تتركه فى حياة الناس، ولذلك رسالتى لكل من يطمح للنجاح: لا تنتظر الظروف المثالية، بل اصنعها، واجعل العلم سلاحك، والاجتهاد طريقك، والقيم درعك، واثق بأن المرأة المصرية والعربية قادرة على الجمع بين المهنية الرفيعة والأصالة الأخلاقية، وهذه المعادلة هى سر التميز.
> ما أبرز مهامكم تجاه الطلاب الوافدين؟
ـ الطلاب الوافدون ليسوا مجرد دارسين، بل هم أبناء الأزهر وسفراؤه، ومهمتى الأساسية هى متابعة شئونهم التعليمية والمعيشية، وتيسير كل ما يعينهم على التحصيل العلمى فى بيئة آمنة ومحفزة، والعمل على تذليل العقبات الإدارية، وتقديم برامج دعم أكاديمى وثقافي، وإقامة أنشطة تعزز روح الانتماء والتواصل بين مختلف الجنسيات، ونريد للطالب الوافد أن يشعر أن الأزهر وطن ثانٍ له.
> شهد مركز تطوير تعليم الوافدين طفرة ملحوظة خلال رئاستكم له.. كيف تصفين هذه المرحلة؟
ـ حين توليت رئاسة المركز، كان هدفى أن ننتقل من النمط التقليدى إلى رؤية أكثر حداثة وشمولًا، ولذلك قمنا بتحديث المناهج لتواكب قضايا العصر، وأدخلنا أساليب تعليم تفاعلية، وتأهيل المعلمين وتدريبهم، وكان تركيزنا على تنمية مهارات التفكير النقدى والحوار، لأننا لا نريد دعاة يرددون النصوص فقط، بل علماء يفهمون الواقع ويخاطبونه بلغة واعية، والطفرة الحقيقية كانت فى تغيير الفلسفة التعليمية، لا فى تغيير الشكل فقط.
> دائمًا ما تصفين الطلاب الوافدين أنهم «قوة الأزهر الناعمة».. ماذا تقصدين بذلك؟
ـ الطالب الوافد حين يعود بلده يحمل معه فكر الأزهر الوسطى المعتدل، وهو صورة حية لما تَعلَّمه هنا، فى سلوكه قبل خطابه، وفى فهمه قبل دعوته، ولذلك نحرص على غرس قيم الاعتدال، واحترام التعدد، ونبذ التطرف، وإعلاء قيمة الحوار، ونعلّمهم أن الإسلام رسالة رحمة وعدل، وأن الاختلاف لا يعنى الصدام بل التكامل. هؤلاء هم سفراؤنا الذين ينقلون صورة الإسلام الحقيقية إلى العالم.
> حدثينا عن قضية تجديد الخطاب الدينى، وعلاقته بتمكين المرأة وجيل السوشيال ميديا؟
ـ تجديد الخطاب الدينى لا يعنى المساس بالثوابت، بل يعنى تجديد أدوات العرض والفهم، ونحن بحاجة إلى خطاب يعالج قضايا العصر بلغة واضحة، ويقدم الإسلام كمنظومة قيم إنسانية راقية، وتمكين المرأة جزء أصيل من هذا التجديد، لأن الإسلام أنصف المرأة منذ قرون، أما جيل السوشيال ميديا، فهو جيل السرعة والصورة المختصرة، ويحتاج إلى محتوى عميق فى قالب جذاب، وعلينا الوصول إليه بلغته، دون أن نفقد رصانتنا العلمية.
> لكم مؤلفات مثل «لغتى حياتى» و«فى العربية حياة».. كيف تنظرين إلى واقع اللغة العربية اليوم؟
ـ اللغة العربية ليست مجرد وسيلة تواصل، بل وعاء هوية وذاكرة أمة، والاعتزاز بها لا يتعارض مع تعلم اللغات الأخري، بل يعزز الثقة بالذات، والخطورة تكمن حين يتحول استخدام اللغة الأجنبية إلى شعور بالدونية تجاه اللغة الأم، ومن يفقد لغته يفقد جزءًا من هويته، ودعوتى الدائمة أن نتقن لغات العالم، لكن نبقى أوفياء للغتنا التى بها نفهم تراثنا ونقرأ قرآننا ونصوغ وعينا.
> ما هى رسالتك؟
ـ رسالتى أن الأزهر سيظل منارة علم واعتدال، وأن تمكين الإنسان بالعلم هو الطريق الأسمى للبناء، وأن نغرس فى عقل كل طالب وافد أن العلم نور، والاعتدال قوة، والعمل المخلص طريق إلى التأثير الحقيقى ووسط تسارع التحولات، سيبقى الأزهر ثابتًا فى قيمه، متجددًا فى عطائه، حارسًا للوسطية، ورسولًا للسلام إلى العالم.









