في اللحظات الدقيقة التي تمر بها المنطقة، يكثر الكلام وتعلو الأصوات، ويخرج البعض بمزايدات لا تستند إلى فهم حقيقي لطبيعة الموقف وتعقيداته. فوسط اشتعال الأزمات وتداخل المصالح الإقليمية والدولية، تبدو مصر حريصة على اتخاذ موقف متوازن يحافظ على استقرار المنطقة ويمنع انزلاقها إلى مواجهة واسعة لا يعلم أحد مداها أو نتائجها.
>>>
المشهد الإقليمي اليوم بالغ الحساسية. التوتر بين الولايات المتحدة وإيران يهدد بفتح أبواب حرب قد تمتد آثارها إلى كل دول الشرق الأوسط. وفي الوقت نفسه، فإن أي تصعيد إيراني ضد دول الخليج من شأنه أن يزيد المشهد تعقيدًا ويهدد أمن واستقرار دول عربية شقيقة ترتبط بمصر بعلاقات تاريخية واستراتيجية.
>>>
من هنا يأتي الموقف المصري واضحًا وثابتًا. فمصر تعلن رفضها للحرب الأمريكية على إيران، لأن الحرب لن تكون حلًا بل ستفتح أبوابًا جديدة للفوضى وعدم الاستقرار. وفي الوقت ذاته ترفض مصر أي هجمات أو تهديدات إيرانية ضد الأشقاء في الخليج، لأن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي العربي.
>>>
وفي هذا السياق، تدرك القاهرة أن الحكمة في إدارة الأزمات أهم من الشعارات المرتفعة. لذلك فإنها تثمّن التزام الدول الخليجية بأقصى درجات ضبط النفس وعدم الانجرار إلى الاستفزازات التي قد تدفع المنطقة إلى مواجهة شاملة. فالتسرع في إعلان الحروب قد يكون سهلًا في الخطابات، لكنه كارثي فى الواقع.
>>>
الدور المصري في هذه المرحلة لا يقوم على الضجيج الإعلامي أو المزايدات السياسية، بل على التحرك الهادئ والفعال عبر القنوات الدبلوماسية والاستخباراتية مع مختلف الأطراف. الهدف الأساسي هو العمل على وقف إطلاق النار واحتواء التصعيد قبل أن يتحول إلى صراع مفتوح يهدد الجميع.
>>>
ولعل تاريخ مصر السياسي والدبلوماسي يؤكد أنها كانت دائمًا لاعبًا رئيسيًا في إدارة الأزمات الإقليمية. فالقاهرة تمتلك شبكة علاقات واسعة مع مختلف القوى، كما تمتلك خبرة طويلة في الوساطة واحتواء الصراعات، وهو ما يجعل تحركاتها في مثل هذه اللحظات حاسمة ومؤثرة.
>>>
في المقابل، يخرج البعض بين الحين والآخر بمحاولات للمزايدة على الموقف المصري، سواء بدوافع سياسية أو بحثًا عن دور إعلامي. غير أن إدارة الأزمات الكبرى لا تُقاس بالصراخ ولا بالشعارات، بل بالحكمة والقدرة على تحقيق التوازن بين حماية المصالح الوطنية ودعم الأشقاء والحفاظ على استقرار المنطقة.
>>>
وفي النهاية، يبقى موقف مصر قائمًا على مبدأ واضح: منع الحرب قدر الإمكان، دعم الأشقاء دون ضجيج، والعمل بكل الوسائل الدبلوماسية الممكنة لإخماد نيران الصراع قبل أن تمتد إلى الجميع. فالحكمة في زمن الأزمات ليست ضعفًا، بل هي أقوى أدوات الحفاظ على الأوطان.









