في كل صباح، ترتدي طبيبة الأسنان الشابة معطفها الأبيض وتغادر منزلها متجهة إلى عملها في إحدى الوحدات الصحية الواقعة في منطقة ريفية على أطراف القاهرة الكبرى. تحمل معها سنوات طويلة من الدراسة والتدريب، وحلمًا بسيطًا بأن تمارس مهنتها التي تعبت من أجلها.
لكن ما بين الحلم والواقع مسافة طويلة من التحديات التي أصبحت جزءًا من يوميات آلاف أطباء الأسنان في مصر؛ فالعمل في مهنة طب الأسنان ليس سهلاً كما يتصور البعض، إذ يقضي الطبيب ساعات طويلة في وضعية مرهقة، منحنياً فوق المريض بدقة شديدة؛ لأن أي خطأ بسيط قد يفسد علاجاً كاملاً. ومع نهاية اليوم، يصبح ألم الظهر والرقبة جزءاً من الروتين اليومي، إلى جانب ضغط نفسي دائم لأن المريض ينتظر نتيجة مثالية.
لكن المفارقة أن هذه الطبيبة التي درست لسنوات لتصبح طبيبة أسنان، تصل إلى مقر عملها لتجد أن أدوات المهنة الأساسية غير موجودة؛ فالوحدة الصحية التي تعمل بها لا تضم سوى كرسي أسنان متهالك، بينما تغيب الأجهزة والأدوات التي تسمح بتقديم علاج حقيقي للمرضى.
وبسبب هذا الواقع، يقتصر العمل غالباً على حالات الخلع البسيطة، بينما تضيع معظم إمكانات الطبيبة العلمية والعملية. ومع غياب التجهيزات، تقوم إدارة الوحدة بتكليفها بأعمال إدارية أو مهام قريبة من أعمال التمريض، لتضيع تدريجياً آلاف الجنيهات التي أنفقتها الأسر على تعليم أبنائها، وتفقد الدولة كوادر شابة كان يفترض تأهيلها لقيادة هذا التخصص في محيطنا الإقليمي والدولي.
ووسط هذا الواقع المهني المحدود، تجد الطبيبة نفسها أيضاً أمام لجان تفتيش ينصب اهتمامها في المقام الأول على استيفاء الأوراق وسجلات الحضور والانصراف، أكثر من متابعة جودة الخدمة الطبية أو توفير الإمكانات اللازمة لتطوير العمل، فتتحول المهنة أحياناً إلى دائرة بيروقراطية تدور حول الدفاتر والسجلات أكثر مما تدور حول علاج المرضى.
ويزداد الضغط مع محاولة كثير من الأطباء الشباب استكمال الدراسات العليا لتحسين مستقبلهم المهني؛ فحضور المحاضرات أو التدريب يتطلب أحياناً الانقطاع عن العمل، ما يترتب عليه خصومات من الراتب. وما بين تلك الخصومات ومصروفات الدراسات العليا المرتفعة، يتآكل الراتب تقريباً قبل أن يصل إلى يد الطبيب.
كل هذه التحديات تأتي في وقت تشهد فيه المهنة تضخماً كبيراً في أعداد الخريجين؛ فمصر تضم اليوم نحو 88 كلية لطب الأسنان يتخرج فيها قرابة 12 ألف طبيب سنوياً، بينما تشير تقديرات مهنية إلى أن عدد أطباء الأسنان وصل إلى نحو 115 ألف طبيب، في حين لا يتجاوز الاحتياج الفعلي نحو 40 ألف طبيب فقط. هذه المعادلة المختلة خلقت منافسة شرسة وجعلت مستقبل كثير من الأطباء الشباب غير واضح المعالم.
ومع هذه الصورة، يبرز سؤال بالغ الأهمية: أين دور نقابة أطباء الأسنان؟ فالنقابة التي يفترض أن تكون خط الدفاع الأول عن المهنة، يبدو حضورها في كثير من الأحيان مقتصرًا على بيانات أو مناشدات سنوية بشأن تقليل أعداد المقبولين في الكليات، بينما تحتاج المهنة إلى دور أوسع في تنظيم سوق العمل، والدفاع عن الأطباء، والتأكد من قدرتهم على ممارسة تخصصهم فعلياً داخل الوحدات الصحية.
كما أن طب الأسنان يمكن أن يتحول إلى فرصة اقتصادية حقيقية إذا تم التعامل معه برؤية مختلفة، من خلال دعم تصنيع مستلزمات المهنة محلياً، وتطوير مراكز علاجية قادرة على جذب المرضى من الخارج في إطار “السياحة العلاجية”، بما يخلق صناعة طبية ويوفر عائداً من العملات الأجنبية.
إن قصة طبيبة الأسنان التي تذهب كل صباح إلى وحدة صحية بلا أدوات ليست مجرد حالة فردية، بل هي مرآة لواقع مهنة كاملة تحتاج إلى رؤية واضحة. ومن هنا يصبح من الضروري أن تعمل وزارة الصحة –باعتبارها الجهة التنفيذية– إلى جانب نقابة أطباء الأسنان “بيت المهنة”، على وضع رؤية مستقبلية حقيقية؛ رؤية لا تكتفي بالتركيز على منظومة التكليف، بل تمتد لتطوير بيئة العمل داخل الوحدات الصحية، وتوفير الإمكانات التي تسمح للأطباء بممارسة تخصصهم فعلياً.
رؤية تحافظ على كرامة أبناء المهنة وتضمن لهم معيشة لائقة، وفي الوقت نفسه تحول هذا القطاع إلى فرصة استثمارية عبر دعم التصنيع المحلي وتنشيط السياحة العلاجية، بما يحقق عائداً اقتصادياً للدولة ويعيد للمهنة مكانتها المستحقة.









