لماذا يعد الوعى بما يدور حولنا ضرورة وجودية؟.. تساؤل مهم جدا، حيث تعيش المنطقة العربية والشرق الأوسط حالياً واحدة من أعنف وأعقد الفترات التاريخية فى العصر الحديث. وإذا نظرنا إلى الخارطة، سنجد أن مصر تقع فى قلب «دائرة النار»، صراعات مشتعلة شرقاً فى فلسطين، وحروب أهلية وانقسامات غرباً فى ليبيا، ونزاعات دموية جنوباً فى السودان، ناهيك عن التوترات الجيوسياسية فى منطقة البحر الأحمر.. فى ظل هذا المشهد، لم يعد «الوعي» مجرد رفاهية فكرية أو متابعة إخبارية عابرة، بل أصبح خط الدفاع الأول لحماية الأمن القومى المصرى واستقرار المجتمع. الوعى هو حائط صد ضد الشائعات والفتن.
فى زمن «حروب الجيل الرابع والخامس»، لم تعد المعارك تقتصر على الدبابات والطائرات، بل انتقلت إلى العقول والقلوب عبر شاشات الهواتف الذكية. تهدف هذه الحروب إلى بث اليأس، وإشعار المواطن بأن الدولة محاصرة وأن الانهيار وشيك. كما تسعى إلى زعزعة العلاقة بين الشعب ومؤسسات الدولة، وتزييف الحقائق، وتصوير الصراعات على أنها قضايا بعيدة لا تمس المواطن البسيط. وهنا تبرز أهمية الوعى فالمواطن الواعى يدرك أن ما يحدث فى «غزة» أو «الخرطوم» أو «طرابلس» ليس مجرد أخبار دولية، بل هى ملفات تمس أمنه الغذائي، واقتصاده، وحدوده المباشرة. الوعى هو الذى يحول دون انسياق الفرد وراء دعوات التحريض أو تصديق الروايات المضللة التى تهدف لتفكيك الجبهة الداخلية فى وقت تحتاج فيه البلاد للتماسك.
يعتقد البعض أن الحروب المحيطة بنا هى شأن سياسى بحت، لكن الحقيقة أنها مؤثر مباشر على لقمة العيش. الوعى بما يحدث فى الممرات الملاحية مثل باب المندب يفسر للمواطن أسباب تأثر دخل قناة السويس، والوعى بالصراع فى السودان يوضح الضغط الواقع على الموارد والخدمات نتيجة النزوح القسرى للأشقاء.
عندما يدرك المواطن حجم التحديات التى تفرضها هذه الحروب على ميزانية الدولة، يتحول من منتقد سلبى إلى مشارك مسئول يدرك قيمة الاستقرار الذى تنعم به بلاده وسط إقليم يتهاوي.
ولابد من تحصين الهوية والانتماء.. فالحروب البشعة التى نراها حولنا، وما تخلفه من دمار للهوية الوطنية وتمزيق للنسيج المجتمعى فى دول الجوار، يجب أن تكون درساً قاسياً ومجانياً لنا جميعاً. إن مشاهدة انهيار المؤسسات الوطنية فى دول كانت مستقرة يوماً ما، يعزز لدى المصريين قيمة «الدولة الوطنية» بمفهومها الشامل. الوعى هنا يعنى إدراك أن قوة مصر تكمن فى وحدتها وتنوعها، وأن المساس بهذا النسيج هو الثغرة التى ينتظرها المتربصون.
بناء الوعى ليس مسئولية الدولة وحدها، بل هو مثلث تشارك فيه كافة الأطراف مثل الإعلام عبر تقديم تحليل عميق للأحداث وتفنيد الأكاذيب بالحقائق والأرقام، بدلاً من الصراخ والتهويل. وهناك دور للمؤسسات التعليمية والدينية، بتبسيط المفاهيم السياسية للشباب وربطها بالواقع، وتعزيز قيم الولاء والانتماء. وكذلك من خلال تنويع مصادر المعرفة وعدم الاكتفاء بـ «العناوين المستفزة» على منصات التواصل الاجتماعي، والبحث عن المعلومة من مصادرها الرسمية والموثوقة.. إن مصر بموقعها الإستراتيجى وتاريخها الطويل، ليست مجرد دولة عادية، بل هى «رمانة الميزان» فى المنطقة. والوعى بما يحاك حولها من مؤامرات وما يشتعل حولها من حروب هو السلاح الأقوى الذى يملكه المواطن المصري.. إن إدراكنا لحجم التهديدات لا يهدف لبث الخوف، بل لشحذ الهمم ورفع درجة اليقظة، ليبقى هذا الوطن واحة للأمن والأمان فى محيط مضطرب.
وللحديث بقية









