يجهز الشاعر والناقد محمد على عزب كتابا جديدا على وشك النشر اختار له عنوان: “ملامح التجديد والتحول الجمالي في قصيدة العامية المعاصرة” وهو خطوة جديدة وبحث يضاف لرصيد عزب السابق في المتابعة و الكتابة النقدية عن مشهد شعر العامية وتطوراته وعنه يقول: استغرقت كتابته عامين ونصف العام منذ 2024م ـ وهو يشكل حلقة جديدة في سلسلة كتاباتي النقدية الخاصة بشعر العامية، تؤسس على ما سبق وفي نفس الوقت تقدم طرحا جديدا، فبينما كان الكتاب الأول “عن تحولات الشعر العامي بين التراث والمعاصرة” يركز على التحولات الرئيسية للشعر العامي بين التراث والمعاصرة، والكتاب الثاني “الشعر العامي العربي وقضتيا الشكل والتدوين والمصطلح” يركز على قضايا الشكل والتدوين والمصطلح، والكتاب الثالث “قراءة في دفتر أحوال حكيم شعر العامية فؤاد قاعود” يركز على شاعر مؤثر في قصيدة العامية المصرية، يأتي هذا الكتاب ليكون مخصصا لرصد وتحليل ملامح التجديد والتحول الجمالي في قصيدة العامية المعاصرة، ونظرا لطبيعة هذا الكتاب فإن مساحة النقد التطبيقي فيه أكبر من مساحة التأصيل والتأسيس النظري، كما يمكن أن أقدم جزءَا ثانيا وثالثا من هذا الكتاب يتضمن المزيد من القراءات النقدية في دواوين عامية لشعراء معاصرين، تبرُز فيها ملامح التجديد والتحول الجمالي
العنوان وكواليسه.
وعن سببه لاختيار هذا العنوان يقول: قد رأيت أنه من المهم أن أوضح في مدخل هذا الكتاب سبب اختيار العنوان هذا الكتاب، ومنهج الدراسة .
المعاصِر أو المعاصِرة صفة زمنية تُطلق على كل ما ينتمي إلى الوقت الراهن بوجهٍ عام، دون الإشارة إلى قيمة نوعية في الشيء الذي يُوصف بهذه الصفة، والشعر المعاصر هو الشعر الذي يُكتب في الوقت الراهن، باختلاف توجهاته وأنماطه وأساليبه الجمالية، ولا يمكننا القول أن جميع الشعراء المعاصرين مُجددون، لمجرد أنهم يكتبون الشعر في الوقت الراهن، فيمكن أن تجد شاعرا معاصرا يعيش في القرن الحادي والعشرين، ويحاكي النموذج الكلاسيكي بكل تفاصيله، أو يتبنى رؤى فنية وأساليب جمالية كانت سائدة في زمن سابق، ويمكن أن نجد شاعرا تراثيا كان مجددا في عصره .
التجديد ليس مجرد ظاهرة زمنية فحسب، بل هو فعل إبداعي في جوهره، يهدف إلى الابتكار في الأساليب والرؤى، وصياغة التجارب الشعرية بعيدا عن التنميط ومحاكاة السابقين .

والتحول الجمالي نتيجة طبيعية للتجديد، وهو الانتقال من صورة جمالية تمثل نظام الإبداع والتلقي في فترة معينة، إلى صورة جمالية مستحدثة، تتجسَّد عبر اللغة والأساليب الفنية، وتعكس التغيرات الثقافية والاجتماعية للواقع الذي يعيش فيه الشاعر، مثل الانتقال من الصورة الجمالية لقصيدة الرواد، التي تقوم على الالتزام الفني بسردية الاشتراكية والقومية، وتمثيلها عبرتصوير شعري بليغ، وإيقاع موسيقي يجعل القصيدة قريبة من الغناء الثوري، وتوظيف السرد المتتابع، إلى صورة جمالية مستحدثة، شكّلها تيار التجديد في قصيدة العامية المعاصرة، تقوم على الانطلاق من الهامش، وتفكيك المفاهيم والسرديات الكبرى، وصبغ قضايا الواقع وموضوعاته بالرؤية الذاتية وتعتمد في تشكيلها على المشهدية، والمفارقة، وشعرية اليومي والمعيش، وترميز ملامح ومرجعيات البيئة .
وبناءً على ما سبق، فإنني اخترت أن يكون عنوان هذا الكتاب هو:
تأصيل وتأسيس
“ملامح التجديد والتحول الجمالي في قصيدة العامية المعاصرة “
ومع هذا العنوان الذي يحدد موضوع الدراسة، قمت بوضع عنوان تكميلي “تأصيل وتأسيس وقراءات” لتوضيح منهجية الدراسة على النحو التالي:
ـ التأصيل يهتم بالبحث في جذور الظاهرة الأدبية، وكيفية نشأتها وتطورها ووصولها إلى الشكل المعاصر، ويتم ذلك من خلال تتبع تاريخ الظاهرة، والمقارنة بين النصوص، والاستقراء لاستخلاص النتائج من المقدمات، وتحليل الأنماط والمفاهيم الشعرية السائدة في كل مرحلة .
ـ التأسيس النظري يهتم بالبحث في أسس ومكونات الظواهر الأدبية وخصائصها، مثل ظاهرة التجديد، بهدف وضع أُطر نظرية وتعريفات تحدد مفاهيم تلك الأسس، ويتم ذلك من خلال الملاحظة والتحليل لتفكيك الظاهرة وتحديد مكوناتها، والتعليل للبحث عن المنطق الداخلي للظاهرة، والتأويل لفهم الظاهرة وتفسيرها .

ـ والقراءات هي النقد التطبيقي الذي يتضمن تحليل النصوص بشكل منهجي للكشف عن بنيتها وأساليب صياغتها ودلالتها، وفي هذا الكتاب، سأقدم نماذج شعرية تنطبق عليها ملامح التجديد والتحول الجمالي في قصيدة العامية المعاصرة، سواءّ كانت قصائد كما في الفصل الأول، أو دواوين كما في الفصل الثاني، وسأقوم بتحليلها عبر القراءة النقدية التي يتعالق فيها التحليل الأسلوبي المعنيّ بكيفية بناء القصيدة وأسلوب الشاعر وأدواته، بالتحليل السيميائي المعنيّ بكيفية إنتاج الدلالة وربط النص بالسياقات الاجتماعية والثقافية والتاريخية، مع استحضار جماليات التلقي عند دراسة تأثير النص على المتلقي، وضرورة مراعاة خصوصية الأداء الشعري للعامية، وهو: “البلاغة الخاصة باللغة والتاريخ الإيحائي والتعبيري للمفردات، وحساسية الشاعر بها، وقدرته على تطويعها للتعبير عن تجربته ونقل الأثر الشعري إلى المتلقي” .
وكان السؤال الجوهري الذي سعيت إلى الإجابة عنه في هذا الكتاب هو:
ما هي ملامح التجديد والتحول الجمالي في قصيدة العامية المعاصرة التي بدأ ظهورها منذ التسعينيات؟
وهل هذه الملامح يمكن أن تجعل من قصيدة المعاصرة إضافة إلى منجز الشعر المصري؟
مع التأكيد على أنه إذا كان التجديد يحمل في طياته حكما بالقيمة، فإن هذا الحكم لا يتعلق بمقارنة قصيدة العامية المعاصرة بقصيدة الرواد، فلكل زمن سياقاته الثقافية والاجتماعية التي يتفاعل معها الشعراء ويتأثرون بها، ولذلك ليس من الموضوعية القول أن قصيدة العامية المعاصرة تجاوزت قصيدة الروّاد، بل يمكن القول أن قصيدة العامية المعاصرة تفاعلت مع قصيدة الرواد، وأسست لنفسها معيارا جدبدا يجعل منها إضافة حقيقية لمنجز الشعر المصري، فملامح التجديد والتحول الجمالي في قصيدة العامية المعاصرة ليست سلطة جمالية تفرض نفسها على الرؤى الأخرى وتزيحها، بل هي مقترح وخيار جمالي من بين الخيارات المتاحة في عصرنا .
ولم استخدم في هذا الكتاب مصطلح جيل، رغم أنه لا غبار عليه، فهو في الأساس مصطلح يشير إلى حركة تجديد حدثت في عقد زمني أو عقدين أو أكثر، وبدون حدوث التجديد لا يمكن الحديث عن جيل فني، فلا يُشترط أن يكون هناك جيل جديد كل عشرين أو ثلاثين سنة، إلاّ إذا صاحب ذلك حركة تجديد حقيقية، ولأن الشائع عن الجيل هو الدلالة الزمنية، ولأن ليس كل أبناء الجيل الزمني الواحد هم بالضرورة مجددين، فقد اخترت مصطلح تيار تجديد بدلا من مصطلح جيل، لأنه يعبر بشكل صريح عن حركة تجديد في فترة زمنية معينة دون لبس، وقسمت مراحل التأسيس والتجديد في قصيدة العامية إلى ثلاث مراحل، تيار الرواد وهو تيار التأسيس، وتيار التجديد في السبعينيات والثمانينات، وتيار التجديد في قصيدة العامية المعاصرة من تسعينيات القرن العشرين حتى يومنا، ويضم الشعراء المجددين في التسيعينات وبداية الألفية الثالثة، والذين كتبوا الشعر في العقد الثاني من الألفية الثالثة، وهكذا يمكن أن يتضمن مصطلح تيار التجديد بداخله مصطلح جيل بشكل غير مباشر، مع التأكيد على التجديد في الفصل الأول من الكتاب اشتبك التأصيل والتأسيس النظري بالنقد التطبيقي “القراءة النقدية” من خلال تقديم أمثلة شعرية، أما الفصل الثاني اتسعت فيه مساحة النقد التطبيقي حيث قدَّمت سبع قراءات نقدية في دواوين عامية معاصرة.









