حين تُكشف وقائع فساد أخلاقى داخل إحدى المبادرات الشبابية التى تُقدَّم على أنها «مساحة آمنة».. يصبح واضحًا أن المشكلة أكبر من الأفراد. ما نراه اليوم هوخطأ.. سمح بتخريج آلاف الشباب بعد حصولهم على دورات فى الإرشاد النفسى والأسرى.. وتدريبهم عبر مراكز وأشخاص غير معتمدين علميًا أو مهنيًا.. بلا أى ضوابط لحماية المشاركين من الانتهاكات المحتملة.
هذه المبادرة.. التى كانت تُسوّق على أنها ملاذ آمن للشباب والفتيات.. تحولت إلى بيئة رمادية. آلاف الحاضرين دخلوا بحثًا عن الاستماع والدعم النفسى.. فوجدوا أنفسهم فى دوائر ثقة مفرطة.. حيث يتم كسر الحواجز الشخصية تدريجيًا باسم الاحتواء أو الدعم الإنسانى.. مع غياب أى إطار مهنى أو رقابى يضمن سلامتهم النفسية والعاطفية.
الأرقام تكشف حجم الكارثة: مصر تعانى من نقص حاد فى الأطباء النفسيين.. إذ يبلغ عددهم نحو 1832 طبيبًا فقط.. أى ما يعادل طبيبًا نفسيًا لكل 50 ألف مواطن. كما يبلغ عدد المستشفيات والمنشآت النفسية 223 منشأة بطاقة إجمالية لا تتجاوز 11,628 سريرًا.
فى ظل هذه الفجوة.. يعتمد الكثيرون على مصادر دعم غير رسمية.. أو دورات قصيرة وغير معتمدة يدّعى بعضها تأهيلًا فى الإرشاد النفسى أو الأسرى.. دون رقابة أو ضوابط مهنية. آلاف الشباب الذين تلقوا هذه الدورات أصبحوا يقودون جلسات حساسة مع آخرين غير مؤهلين.. فى ظل غياب قواعد أساسية لحماية الثقة.. ما يضاعف مخاطر الاستغلال الأخلاقى والنفسى.
الخطورة هنا ليست مجرد تجاوز أخلاقى محتمل.. بل نظام كامل يشرعن ظهور مبادرات شبه علاجية بلا اعتماد.. تحت شعارات جذابة باسم الدعم النفسى. فالمجتمع والدولة تركوا المجال مفتوحًا لهذه المساحات الرمادية.. حيث يمكن لأى شخص بعد ورش عمل قصيرة أن يقدّم نفسه كمرشد أو مدرب.. ويصبح مؤثرًا على الشباب الذين يمرون بضعف نفسى أو اجتماعى.
الإصلاح المطلوب لا يقتصر على محاسبة المسئولين.. بل يشمل إعادة تنظيم كامل لأى نشاط يحمل بعدًا نفسيًا أو اجتماعيًا يشمل «اعتمادا علميا إلزاميا للمرشدين.. ورقابة رسمية على الدورات والورش التدريبية.. وآليات شكوى واضحة ومستقلة للمشاركين.. وفصل النشاط الثقافى عن النشاط النفسى المهنى لضمان حماية المشاركين».
الأمان النفسى للشباب لا يُصنع بالشعارات.. ولا يُترك للورش أو المبادرات العشوائية.. بل يبنى بالقوانين والرقابة والمؤهلات العلمية والمسئولية المجتمعية. إذا استمر الوضع على ما هو عليه.. فإن آلاف الشباب سيظلون ضحايا دورات وهمية.. وأى مساحة تُعلن عن نفسها «آمنة» قد تتحول إلى منصة لاستغلال الثقة والضعف باسم الإنسانية.
هذه الأزمة كاشفة.. إن حماية الشباب ليست رفاهية.. بل واجب مؤسسى ومجتمعى.. ويمكن تحويل هذه الصدمة إلى فرصة لإصلاح حقيقى وبناء مساحات آمنة حقيقية.. لا مزيفة.. تحمى الشباب وتمنحهم الدعم النفسى الذى يحتاجونه بعيدًا عن أى استغلال أو تجاوز.








