مثل هذه المناسبة السعيدة لم أكن أعقلها فقد عاصرتها وتابعت أحداثها وكنت أتمنى أن أشارك فيها لأنال شرفاً ما بعده شرف ولكنى كنت أيامها أدرس فى أول سنوات الجامعة لذا وجب الحديث عنها كذكريات رمضانية وقتها كنا نصوم اليوم العاشر فى رمضان الموافق السادس من أكتوبر عام 1973 لنفاجأ ظهراً بقطع الإرسال الإذاعى والخروج علينا بخبر العبور العظيم نسينا الصيام وما يتخلله من جوع وعطش وصرنا نبحث عن المزيد من الأخبار فى الإذاعات الأخرى والتليفزيون على القناة الأولي، فوقتها لم تكن هناك فضائيات مثل هذه الأيام تنقل الحدث فى حينه وكأنك بداخله.
من كثرة متابعتى واندماجى مع الحدث العظيم.. تفجرت بداخلى محاولات لإقراض الشعر رغم أننى لا أمتلك تلك الموهبة مثل والدى رحمه الله وقمت بكتابة بعض الأشعار أعبر من خلالها عن فخرى واعتزازى ببلادى العزيزة الأبية وعن بسالة الجندى المصرى خير أجناد الأرض وعن العبور للقناة فى 6 ساعات أذهلت العالم وعندما عرضت خواطرى على والدى ابتسم ولم أعلق ففهمت أننى لم ولن أصلح لأن أكون شاعراً مثله لذا احتفظ بما كتبت مقتنعاً بشرف المحاولة وبأننى جاهرت بما فى القريحة من مشاعر فياضة صادقة سكبتها فى قلبى قبل الورق.
أتذكر أننى شأن غيرى من أهل الريف قضينا شهر رمضان ولا حديث لنا سوى عن بطولات جنودنا على الجبهة، وعن الحكايات التى رواها الذين عادوا بعد نشوة النصر الساحق الذى أثلج الصدور وقضى على أسطورة الجيش الذى لا يقهر الذى روجه الصهاينة، بعد عودة أقارب وجيران لنا من الجبهة كنت حريصاً على سؤالهم عن كيفية الصيام أثناء القتال فكانت الإجابات شبه موحدة وهى أنهم لم يشعروا لا بجوع ولا حتى بعطش وأنهم أصروا على الصيام رغم رخصة الإفطار فى تلك الظروف الاستثنائية ليتأكد القول بأن رمضان شهر البركة والخير والرحمة والبطولات والفتوحات لذا كانت غالبية الفتوحات الإسلامية كانت فى شهر رمضان وكذلك غزوات الرسول الكريم كما علمت بأن المقاتل يحمل فى صدره اليقين والعزيمة والإيمان وأن الأرض لا تسترد إلا بالدم وأن الله لا يخذل من يقاتل فى سبيل الحق، وأن الصيام لم يكن يوماً عائقاً فى الحروب الإسلامية بل كان وقوداً روحياً يمد المقاتل بالصبر والثبات ويذكر بخوض معركة مقدسة دفاعاً عن الوطن والعقيدة.
أتذكر أيامها أن من اوائل من سقطوا شهداء فى انتصارات العاشر من رمضان كان ابن عم لى كان يقضى فترة التجنيد بعد حصوله على بكالوريوس التجارة فحزنت لفقدانه، واستغربت عندما شاهدت والده مبتسماً فسألت والدى فقال لقد احتسبه عند الله شهيداً وقد نال الشهادة والشهداء أحياء عند الله يرزقون وأنه أيام رسولنا الكريم كان الصحابة يتمنون نيل الشهادة ويقحمون أنفسهم فى أقوى المعارك غير عابئيين بطعنات رمح وضربات سيف أملاً فى الشهادة ولنصرة الحق ونشر الإسلام فى ربوع المعمورة ولولا الاستبسال والإيمان الراسخ سواء فى قلوب السابقين أو الذين قاتلوا فى حرب العاشر من رمضان ما تحقق النصر على الفرس والروم والقضاء على ممالكها الممتدة شرقاً وغرباً وما تحقق نصر أكتوبر/ العاشر الذى نحن بصدده ونفخر به.
أتذكر أننى أيامها كنت أنصت كالتلميذ لروايات الذين خاضوا معركة الكرامة من أهل قريتى وعادوا مرفوعى الرأس وكان تركيزى هو كيف كانوا يصومون، فكانت الإجابات بلا وأنهم لم يشعروا بتعب ولا نصب رغم أن البعض كان يحمل معدات القتال من صواريخ محمولة مثل سام 6 أو ذخائر للمدافع والدبابات وغيرها ويجرى بخفة وحيوية أكثر من الأيام العادية وأن قتل أكبر عدد من الصهاينة كان يروى عطشهم ويشعرهم بالشبع وأن هذا الإحساس لا يشعر به إلا فى غمار المعارك.
أيام رمضان العاشر من رمضان لم يكن هناك حديث سوى النصر الذى أنسانا العطش والجوع فى نهار رمضان، وكان سامرنا حتى قبيل السحور، كانت الأحاديث ممتعة بحق مما جعلنى أشعر بالغيرة من هؤلاء الأبطال متمنياً أن أكون معهم شاهراً سلاحى فى وجه الأعداء على جبهات القتال وأن أنال الشهادة مثل ابن العم عماد الدين سليمان الذى إكراما له تم تسمية المدرسة الابتدائية باسمه تخليداً لذكراه شأن غيره من الأبطال الذين ضحوا بأنفسهم واستشهدوا فى سبيل الله.. طوبى لشهدائنا وكل الفخر لانتصارات العاشر من رمضان التى لم ولن ننساها أبد الدهر وسنظل نرويها لأولادنا ولأحفادنا كى يعلموا بأن مصر قاهرة الأعداء وأن جنودها فى رباط إلى يوم الدين.









