فى الليلة الأولى من رمضان، رأيت «ترابيزات» وكراسى مرصوصة بعناية، تمتد طولها إلى 5 أمتار تقريباً، تحيط بها ستائر رمضانية تتلألأ بأضواء صفراء هادئة، فتبدو كأنها خيمة رمضانية جميلة تستقبل أناساً يستعدون لصيام الشهر الكريم، لكن هذه الخيمة البسيطة كانت متواجدة وسط ركام الدمار فى غزة، وأصحابها ليسوا سوى نازحين اجتمعوا على سحور جماعي، يتقاسمون ما تيسر من طعام وأمل.
وعلى الرغم من أن المشهد بسيط فى ظاهره، إلا أنه عميق فى معانيه، فهو يؤكد أن إرادة الشعب الفلسطينى لا تنكسر، وأن عزيمته تظل أقوى من كل محنة، كما يحمل بعداً إنسانياً مؤلماً، حيث يجسد حجم المعاناة التى يعيشها أهل غزة، معاناة تبكى العيون وتوجع القلوب، لكنها فى الوقت ذاته تكشف عن المعدن الأصيل لأشقائنا الفلسطينيين الذى يتجلى فى قوة صبرهم وتحملهم وثباتهم.
صادفت هذا المنظر يوم الأربعاء «الليلة الأولى من رمضان» أثناء عملي، حين كلفنى رئيس التحرير بالبحث عن صورة تعبر عن أجواء استقبال الشهر الفضيل فى فلسطين، لكنى لم أتوقع أن أجد صورة تجسد كم الألم والمعاناة لإخوانا فى غزة وتعبر عن الصمود فى آن واحد، فظللت أتأمل فيها كثيراً حتى وجدتها رسالة غير مباشرة، جعلتنى أعيد النظر فى كثير من الأمور الشخصية، لأنى فى ذلك الوقت تحديداً، كنت أشكو ضيق الحال وزيادة الأعباء المعيشية، وده حال كثيرين غيرى، لكن هذا المشهد كان بمثابة رسالة تذكير بأن الرضا نعمة عظيمة، وأن المال مهما كثر لا يساوى شعوراً بالأمان أو لحظة طمأنينة، أدركت أن مقولة «الحمد لله على كل حال» ليس مجرد عبارة تقال، بل هى قناعة راسخة تخفف متاعب الحياة وتمنح الإنسان قوة على الصمود والاستمرار.
أكتب هذا الكلام لأن هناك شباباً كثيرين يواجهون ضغوط الحياة اليومية، وربما تثقلهم الهموم مثلي، فلا يرون سوى معاناتهم الشخصية، ويغفلون عما يدور حولهم من آلام أشد قسوة يعيشها آخرون فى البلاد المجاورة، لذلك يرجى النظر بدقة وتأمل فى صمود أهل غزة، لعله يمنحنا الصبر على الشدائد، ويكون درساً حياً يذكرنا بأن الشكر على النعم، مهما بدت بسيطة، هو الطريق إلى السلام الداخلي.
وفى النهاية، الحمد لله على كل حال.









