توقفت كثيرا أمام الاحتفال بيوم الميلاد، المعنى والرمز والحكاية وتخيلتنى أتقدم بصحيفة دعوى أمام محكمة «الصيرورة والزمن».. وتصدرت الوقائع عريضة الدعوى فى مقدمتها إن العمر يسلبنا حلاوة الأيام «ويتركنا لمواجهة «سُكّر» الحنين وضغط الماضى والحاضر والمستقبل فى آن واحد ثم يطلب منا جبرا الاحتفال بالسكين وهى تمزق رقبة عاما مضى وتهددنا بشروعها فى وجوهنا إن لم نغن «هابى بيرث داى» ونشعل الشموع ثم نطفئها فى آن واحد.
نعم هذه القضية هى «قضية العمر المستمرة» الجريمة المستمرة، وتشكيل أطرافها غير مسبوق ولا لاحق حيث القاضى والخصم والجلاد واحد هو الزمن نفسه..و فى ساحة هذه المحكمة يقف المتهم وهو الروح وحيدا والوقت هو «يوم ميلادها».. والتهمة جاهزة: التشبث بملامح عمرٍ غابر، وعدم الاستعداد لزمنٍ يقتحم الوجود.
ولم تكن الدفوع فى هذه الصحيفة بالأمر السهل، لكن جاء برز فى المقدمة الدفع بالقوة القاهرة ليفند «فلسفة الغياب».
قلت بنبرات ضعيفة : سيدى القاضي.. أيها القدر..أقف أمامكم متمسكا بالدفع بوجود «قوة قاهرة» منعت المتهم أقصد «الروح «من الاستعداد لدخول عامِه الآتي… هذه القوة ليست زلزالاً ولا حرباً، بل أشد، فالأماكن يمكن أن يعاد تعميرها، والحجر يمكن أن يرمم، لكن الفقد لايعوض ومن يرحل لا يعود والنتيجة «خلوّ المكان» من رفقاء الرحلة والعمر..
وارتفعت نبرة الأنين: و قانونا وعرفا ياسيدى القدر: لايُسأل المرء عن «عجزِ الجاهزية» إذا كانت أدواته «الرفاق والأحباب « قد صودرت منه بغير حق، وكان الإختفاء النهائى هو المصير فكيف لنا ونحن «مُلقى بنا فى هذا العالم»، وفى نفس الوقت يقدف بالمتهم « الروح « فى عامه الجديد دون «ملامحه» التى تشكلت عبر سنواتٍ من الصداقة والحب فى صورة أصدقاء وأحباب، فكيف يُحاكم الغريبُ على ضياعِ هويته؟
ولم يقف الأمر عند هذا الحد سيدى القاضى ولكننا وجدنا أنفسنا أمام عقد إذعان جديد ووجع ومر لا مفر منه رغم حلاوته الظاهرة لأنه ببساطة يدفن المرارة فى باطنه ، لذلك يكون دفعنا القانونى الثانى ببطلان «حلاوة الميلاد» ممثلة فى «تورتة الميلاد» المنصوبة أمام المتهم اليوم و ليست إلا «عقد إذعان» يفرضه الزمن على متهم أصابه ب»سُكّر الجسد ووهن الذاكرة» والجسد؛ وهو مرضٌ كما تعلمون عضال، لا يجعل من حلاوة الأيام مرارا فحسب لكن خطراً يهدد استقرار قلبه وتدفقه ويدمر ما تبقى من الجسد العليل من آثار سهام الأيام.
لقد حول الزمان يا سيدى القاضى « سُكّر الحلوى « إلى مرارةِ فراق لا ينفع معها البرشام أو الإنسلوين، بعد أن أصبح تناول «الفرح» خيانةً لمن رحلوا وفارقوا، المتهم هنا ياسيدى القاضى فى حالة «ضرورة شرعية» تمنعه من الابتهاج، صوناً لوفائهِ للأحبة الذين خطفوا من جواره بلا ذنب جنوه، ف»العمر الماضي» لم يكن مجرد زمن، بل كان «كياناً» سكنه المتهم مع أحبابه، لتصحوا الروح فجأة لتجد نفسها وحيدة ومعرضة للطُرد منه بحكم بات ونهائى لايقبل النقض والإبرام :
يَا حَاكِمَ الدَّهْرِ هَذَا العُمْرُ مَظْلَمَةٌ
تَقَاضَتِ الرُّوحُ فِيهِ مَرَّ مَا اقْتَرَفَا
أَتيتُ لِلمِيلادِ مَكسُوراً بِلا رَفَقٍ
كَمَنْ يذُوقُ الرَّدَي.. مِنْ بَعْدِ مَا عَرَفَا
مَرِضْتُ بِالسُّكَّرِ الوُجدَانِ.. لَا طَمَعاً
لَكِنْ لأنَّ الهَوَى فِى أَضْلُعِى جَفَّا
وبناءً على ما تقدم يلتمس الدفاع
أصليا : براءة المتهم من تهمة «الحزن غير المبرر»، واعتباره حزناً مشروعاً وفقاً لقانون «حق الروح فى الوفاء».
واحتياطيا إيقاف تنفيذ «العام الجديد» حتى يتمكن المتهم من لملمة شتات ملامحه التى تبعثرت برحيل الأصدقاء.
مع إلزام الزمن بتعويض المتهم عن «حلاوة التورتة» التى حُرِم منها للأبد، بمنحهِ «بنكرياسا جديدا «ينتج مايواجه ثقل المرارة التى فى جوفه.
وأخيرا ياسيدى القاضي، إن السنين لا تُمحى بقرار، والوجوه التى شكلت أعمارنا هى «الحق الأصيل» الذى لا يسقط بالتقادم، نعم المتهم لا يرفض الزمن، لكن يرفض أن يمضى فيه «مبتورَ الملامح» بلا ذنب جناه لكن بقوة أكبر منه..
«حين يغيب الأصدقاء والأحباب»، يصبح قانون الإجراءات الجنائية عاجزاً عن حماية الشخص من ‹استدلال› الذاكرة وقسوة تحقيقاتها».
يسأل القاضى : وبناء عليه ؟!
– أقول مع كل ما تقدم نعجز ياسيدى القاضى عن تقديم كل «الطلبات الختامية» لأن الجريمة أقصد «الفقد» ما زالت مستمرة و تقع كل ثانية، والوقائع «الأيام» تتجدد فى كل ثانية، والمتهمون «الراحلون، والظروف» لم يمثلوا بعد أمام منصة الاعتراف.. لذا، نحن أمام «مذكرة مفتوحة لجلسة مؤجلة»، تُترك أوراقها فى مهبِّ الريح، بانتظار اكتمال الشهود ووقائع لم تنتهِ بعد
يتململ القاضى قائلا: ولذلك ؟!
– أقول ستظل القضية قيد النظر وغير قابلة للشطب أوالانقضاء
يقول : لماذا ؟
– أقول : لأنَّ موازينَ العَدْلِ الوجوديِّ لا تزالُ فى كفِّ الغيب وبناءً على ما تقدّم، ولإسباب كثيرة معروفة وغير معروفة نلتمس من عدالة المحكمة.
>أولاً: استمرار الحالة تجعلنا لا نطلبُ حكماً فاصلاً، لأنَّ «المدعى عليه» «وهو الزمن» لا يزالُ هارباً من المواجهة، يسرقُ الملامحَ ويمضي، ولأنَّ «المتهمين» «الرفاق الذين تركونا فى منتصف الطريق» لم يبرروا غيابهم بعد، ولم يتركوا لنا «توكيلاً» لإدارةِ الفراغ من بعدهم.
> ثانياً: الوقائع متجددة: فكيف ندخل لعام جديد وكلَّ صباحٍ فيه هو «واقعة جنائية» جديدة تُضاف إلى ملف القضية؛ ففى كل فجرٍ نكتشفُ فقدانَ أحبة وبترٍ جديدٍ من ملامحنا القديمة، وفى كل « تورتة عيد ميلاد» نكتشفُ أنَّ سُكّر المرضِ قد تسللَ أكثر إلى مسامِ الروح. ويزداد عجز البنكرياس عن إنتاج الأنسولين اللازم لمواجهة مرار السكر وحتى القليل منه الذى يفر منه تقاومه خلايا الجسد وتمنعه من الدخول لبنيانها، ليظل المرار فى صورة السكر نارا ووحشا يأكل كل ما يقابله من روح فى شتى أنحاء الجسد
> ثالثاً: نعم ستظل الجلسة مفتوحة ياسيادة القاضى وستظلُّ هذه المذكرةُ بلا «طلبات ختامية»، فالقضيةُ أكبرُ من أن تُحسم بكلمة أو تنتهى الخصومة فيها بطلب أو تعويض لإنها ببساطة قضيةُ وجودٍ تحاول الروح أن تستردَّ نفسَها من مخالبِ الغياب… نعم سنظلُّ فى حالةِ «انتظارٍ قانوني»، نرقبُ الطريق، ونجمعُ أدلةَ الصمود، ونرصدُ ملامحَ الرفاقِ فى وجوهِ العابرين.
نعم ستظل القضيةُ مستمرة.. والتحقيقاتُ مع الذاتِ لم تكتمل.. والشهودُ رحلوا ولم يتركوا عناوينهم.. وتبقى «تورتة الميلاد» مرّةً أمامنا، بانتظارِ يقينٍ لم يأتِ بعد».
باقى المرافعة الأسبوع القادم









