مصــر
قادرة بمؤسساتها الدينية العريقة أن تقدم للعالم مشروعًا حضاريًا كبيرًا يمكن تسميته
«نزع السلاح الدينى»
ليس ثمة ما هو أشد خطرًا من حرب يعتقد أطرافها أن الله يقاتل إلى جانبهم. هذه ليست عبارة نظرية فى فلسفة الحروب، بل هى الوصف الأدق لما يجرى على الأرض منذ فجر الثامن والعشرين من فبراير 2026، حين أقدمت الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل على شنّ أكبر عملية عسكرية مشتركة فى تاريخ الشرق الأوسط الحديث ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فدمّرتا مقار القيادة فى طهران وأصفهان وقم وكرمنشاه وكرج، واغتالتا المرشد الأعلى على خامنئى ووزير الدفاع عزيز نصير زاده ورئيس أركان القوات المسلحة عبد الرحيم موسوى وأمين مجلس الأمن القومى على شمخانى وعشرات من كبار القادة الأمنيين والعسكريين، فى عملية أسمتها إسرائيل «الأسد الزائر» وأسمتها واشنطن «الغضب الملحمي».
وردّت إيران فى غضون ساعات بعشرات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة على إسرائيل وعلى القواعد الأمريكية فى قطر والكويت والبحرين والإمارات والسعودية والأردن والعراق، بل طالت شظايا الهجمات الإيرانية فنادق فى دبى ومبنى سكنيًا فى الدوحة ومطار الكويت الدولى ومقار دبلوماسية فى المنامة، فيما أعلن الحوثيون فى اليمن استئناف عملياتهم فى البحر الأحمر، وأصدر الحرس الثورى الإيرانى إعلانًا بإغلاق مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، مما أدخل العالم بأسره فى أزمة طاقة وشحن لم يشهد لها مثيلاً منذ عقود، وتكدّست أكثر من 150 سفينة شحن وناقلات نفط خلف المضيق.
لكن هذا التقرير لا يسعى إلى استعراض مجريات المعارك – فتلك تتابعونها لحظة بلحظة على الشاشات – بل يسعى إلى كشف الطبقة الأعمق والأخطر فى هذا الصراع: البعد الدينى الذى يحرّك أطرافه الثلاثة، وكيف تحوّلت النصوص المقدسة والرؤى الأخروية والأساطير التأسيسية إلى وقود حقيقى لآلة الحرب.
أولاً: إسرائيل – من عيد البوريم إلى عقيدة الإبادة المقدسة
ثمة مفارقة لا يمكن لأى مراقب جاد أن يتجاهلها: الضربات الأمريكية الإسرائيلية انطلقت صباح السبت 28 فبراير، أى فى «شبت زاخور» حسب التقويم العبري، وهو السبت الذى يسبق عيد البوريم مباشرة ويُقرأ فيه أمر التوراة الشهير: «اذكر ما صنع بك عماليق… امحُ ذكر عماليق من تحت السماء». وعماليق فى الوعى اليهودى التقليدى والمعاصر هو العدو المطلق، الرمز الأبدى لمن يسعى إلى إفناء بنى إسرائيل، والذى أمر الرب بمحو أثره من الوجود. أما عيد البوريم نفسه – الذى بدأ مساء يوم 2مارس هذا العام – فيحتفل بنجاة يهود فارس القديمة من مؤامرة «هامان» الوزير الفارسى الذى خطط لإبادتهم جميعًا، كما يروى سفر إستير فى العهد القديم.
التطابق الجغرافى والرمزى صارخ إلى حد لا يمكن إنكاره: قصة البوريم تدور أحداثها فى مملكة فارس القديمة، وإيران هى الوريثة الحضارية والجغرافية المباشرة لتلك الإمبراطورية. ورئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو أمضى سنوات طويلة يُقدّم إيران باعتبارها «هامان العصر الحديث»، وسبق أن رفع نسخة من سفر إستير أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة فى خطاب شهير ربط فيه بين فارس القديمة وإيران المعاصرة. وعلى مدار عقد كامل، استخدم نتنياهو لغة المحرقة والإبادة لوصف التهديد الإيراني، محذرًا مما سماه «محرقة نووية» إن امتلكت طهران السلاح الذري، فى خطاب يرفع التهديد الإيرانى من مستوى المنافسة الجيوسياسية العادية إلى مستوى الخطر الوجودى الحضاري.
والآن، يشنّ نتنياهو حربه عشية البوريم بالذات، ويسمّى عمليته العسكرية «عام كى لافي» – أى «شعب كالأسد» – وهى عبارة مقتبسة من سفر العدد فى التوراة «الإصحاح 23: 24» تقول: «هوذا شعب يقوم كلبؤة ويرتفع كأسد، لا ينام حتى يأكل فريسة ويشرب دم قتلي». بل إن نتنياهو – بحسب ما أوردته صحف إسرائيلية – ترك رسالة مكتوبة بخط يده فى شقوق حائط البراق قبل الضربات بأيام قليلة، وصف فيها إسرائيل بأنها «شعب كالأسد»، فى إشارة دينية واعية ومقصودة تُحوّل العملية العسكرية من مجرد قرار سياسى واستراتيجى إلى ما يشبه «الفريضة التوراتية» التى يُنفّذها «شعب الله المختار» ضد «عماليق» العصر.
هذا ليس توظيفًا عابرًا أو هامشيًا للرمز الدينى فى الخطاب السياسى – وهو أمر تعرفه كل الثقافات – بل هو نقل منهجى ومتعمد للصراع من حيز الجغرافيا السياسية والمصالح الاستراتيجية إلى حيز العقيدة التدميرية، حيث لا مكان للتفاوض ولا للتسوية مع من يُصنَّف «عماليق» لأن الأمر الإلهى – حسب هذا التأويل المتطرف – يقتضى محوه من الوجود محوًا كاملاً لا رجعة فيه.
ومن الجدير بالذكر أن عيد البوريم عند الأغلبية الساحقة من اليهود فى العالم هو مناسبة للفرح والاحتفال والعطاء والبر وتبادل الهدايا، وليس عقيدة حربية أو دعوة للقتال. لكن المشكلة الحقيقية أن تيارات الصهيونية الدينية المتطرفة – التى تحتل مواقع مؤثرة داخل حكومة نتنياهو الائتلافية الحالية – نجحت فى اختطاف عيد دينى وتحويله إلى غطاء أيديولوجى لعمليات القتل الجماعي، تمامًا كما فعلت الجماعات الإرهاب حين اختطفوا مفهوم الجهاد – وهو فى أصله عبادة شرعية منضبطة بشروطها وأحكامها ومقاصدها – وحوّلوه إلى شعار للفوضى والتدمير العشوائي
.
ثانيًا: الولايات المتحدة – إنجيل البنتاغون وعقيدة الصهيونية المسيحية
لا يمكن فهم الانخراط الأمريكى العسكرى المباشر والكامل فى هذه الحرب – وهو الأكبر والأوسع نطاقًا فى الشرق الأوسط منذ غزو العراق عام 2003 – بمعزل عن ظاهرة «الصهيونية المسيحية» التى باتت واحدة من أقوى المحركات الأصولية المؤثرة فى السياسة الخارجية الأمريكية وأقلها خضوعًا للنقد والتحليل فى الإعلام العربي.
الصهيونية المسيحية ليست مجرد تعاطف سياسى مع إسرائيل أو انحياز عاطفي، بل هى عقيدة لاهوتية متكاملة ومتماسكة تعتنقها عشرات الملايين من المسيحيين الإنجيليين الأمريكيين، وتقوم على ما يُعرف فى الدراسات اللاهوتية بـ»لاهوت التدبير» أو «المذهب التدبيري» الذى يرى أن قيام دولة إسرائيل فى فلسطين وتجميع اليهود فيها من أرجاء الأرض وتوسيع حدودها وهزيمة أعدائها هى شروط إلهية مسبقة وضرورية لعودة المسيح عيسي- بن مريم – عليه السلام – عودته الثانية ونهاية العالم كما يتصورونها. بعبارة أوضح: دعم إسرائيل عسكريًا وسياسيًا وماليًا ليس خيارًا سياسيًا عند هؤلاء يمكن مراجعته أو تغييره، بل هو فريضة كتابية مقدسة، والحرب على أعداء إسرائيل ليست قرارًا استراتيجيًا قابلاً للنقاش بل فصل حتمى فى السيناريو الإلهى لنهاية التاريخ البشري.
وحين يصرّح السفير الأمريكى فى إسرائيل مايك هاكابى – وهو فى الأصل قس معمدانى وحاكم ولاية سابق ومرشح رئاسى أسبق – بأن لإسرائيل «حدودًا وهبها الله إياها» تمتد عبر رقعة واسعة من الشرق الأوسط، وبأن الضفة الغربية ليست «أرضًا محتلة» بل «أرض موعودة»، فهو لا يمارس خطابًا دبلوماسيًا عاديًا يمكن أن يقوله أى سفير، بل يُعبّر بوضوح تام عن رؤية لاهوتية أخروية يتشاركها قطاع ضخم من الناخبين الأمريكيين ومن دوائر صنع القرار الحقيقى فى البيت الأبيض والكونجرس ووزارة الدفاع. والرئيس ترامب نفسه – وإن كانت دوافعه الشخصية أكثر براجماتية وحسابية – يوظف هذه اللغة الأخروية ببراعة حين يصف النظام الإيرانى بأنه «شرير للغاية» ويتحدث عن «مواجهة حضارية مصيرية»، ويُخاطب الشعب الإيرانى فى بيانه المصوّر بلغة لا تخلو من نبرة رسولية قائلاً: «اقبضوا على مصيركم بأيديكم… هذه فرصتكم الوحيدة لأجيال قادمة. أمريكا تدعمكم بقوة ساحقة وضربات مدمرة».
إن ما يجعل الصهيونية المسيحية بالغة الخطورة وشديدة الضرر على منطقتنا هو أنها تُلغى إمكانية السلام من حيث المبدأ اللاهوتي: فالسلام فى المنطقة لا يخدم السيناريو الأخروى المطلوب، والتفاوض مع «أعداء إسرائيل» والتوصل إلى تسوية سلمية يُعطّل مشيئة الله كما يتصورونها – حسب هذا المنطق المشوّه والمنحرف. وبهذا يصبح كل جهد دبلوماسى – بما فى ذلك المفاوضات النووية التى أعلن وزير خارجية سلطنة عُمان بدر البوسعيدى أنها كانت «على وشك تحقيق اختراق حقيقي» وأن إيران وافقت على عدم تخزين اليورانيوم المخصب وعلى التفتيش الكامل من الوكالة الدولية للطاقة الذرية – قبل ساعات فقط من انطلاق الضربات – يصبح هذا الجهد الدبلوماسى فى نظر أتباع هذه العقيدة عقبة يجب إزالتها لا فرصة يجب اغتنامها.
ثالثًا: إيران- المهدوية و عقيدة الشهادة بوصفها هوية دولة
على الضفة الأخرى من ساحة المعركة، لا تقل المحركات الدينية ضراوة وعمقًا وتأثيرًا فى صناعة القرار. فمنذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979 وسقوط نظام الشاه، نسجت الجمهورية الإسلامية الإيرانية عقيدتها السياسية كلها من خيوط العقيدة الشيعية الاثنى عشرية، وفى قلب هذه العقيدة يقف مفهوم «المهدوية» – أى انتظار عودة الإمام الثانى عشر محمد بن الحسن العسكرى المعروف بالمهدى المنتظر، الذى يؤمن الشيعة الاثنا عشرية بأنه غائب منذ القرن الثالث الهجرى وسيعود فى آخر الزمان ليملأ الأرض عدلاً وقسطًا بعد أن مُلئت ظلمًا وجورًا. وفى اللاهوت السياسى الإيرانى كما صاغه آية الله الخمينى ثم ورثه خامنئي، صارت إسرائيل تجسيدًا لقوى الشر والظلم التى يجب هزيمتها وتدميرها تمهيدًا لظهور المهدى وقيام دولة العدل الإلهي، وصار تدمير ما يسمونه «الكيان الصهيوني» ليس مجرد هدف سياسى أو طموح قومى بل التزام عقدى ودينى لا يقبل المساومة أو التأجيل.
المرشد الراحل على خامنئى لم يكن يُمارس دعاية إعلامية حين كان يصف إسرائيل بـ»الغدة السرطانية فى قلب الشرق الأوسط» أو يدعو إلى «محوها من الخريطة»، بل كان يُعبّر عن قناعة لاهوتية عميقة ومتجذرة فى بنية النظام ذاته. وحين قال عام 2015: «بعض الصهاينة قالوا إنهم اطمأنوا لخمسة وعشرين عامًا بعد الاتفاق النووي، لكننا نقول لهم: لن تروا الخمسة والعشرين عامًا القادمة، وبإذن الله لن يبقى شيء اسمه النظام الصهيونى فى المنطقة» – فقد كان يتحدث بلسان العقيدة لا بلسان السياسة.
وحين وضع البرلمان الإيرانى فى يناير 2021 مشروع قانون من ست عشرة مادة يُلزم الحكومة رسميًا بـ«القضاء على إسرائيل بحلول عام 2041»، لم يكن ذلك حماسة برلمانية عابرة بل ترجمة تشريعية منهجية لعقيدة دينية راسخة فى صلب المشروع السياسى الإيراني.
والأخطر من ذلك أن عقيدة الشهادة – المستمدة من واقعة كربلاء ومقتل سيدنا الإمام الحسين بن على عام 61 هجرية – تمنح النظام الإيرانى وقاعدته الشعبية قدرة استثنائية على تحمّل الخسائر الفادحة وتحويلها من علامات هزيمة إلى رموز انتصار معنوى وروحي.
فحين تُدمَّر مقار القيادة ويُقتل المرشد الأعلى نفسه وعشرات القادة العسكريين والأمنيين، لا يرى كثيرون من أنصار النظام وأتباع ولاية الفقيه فى ذلك هزيمة عسكرية تستوجب الاستسلام، بل يرون فيه «كربلاء جديدة» تُعيد إنتاج مظلومية الحسين وتُوقد جذوة المقاومة من رماد الدمار. وهذا ما يفسّر أن إيران – رغم الحجم المهول للضربات التى تلقتها والتى شملت اغتيال رأس الدولة ذاته – ردّت خلال ساعات قليلة بقصف قواعد أمريكية فى أربع دول خليجية وأهداف إسرائيلية ومدنية فى المنطقة بأسرها، فى ردّ يعكس ليس فقط قدرات عسكرية مُعدّة مسبقًا بل هوية حضارية عميقة ترى فى الألم والتضحية طريقًا مقدسًا إلى الخلاص الإلهي، لا سببًا للخضوع والاستسلام.
ومن اللافت أن مقتل خامنئى أحدث انقسامًا حادًا داخل المجتمع الإيرانى نفسه: ففى حين خرج أنصار النظام فى مسيرات حاشدة حاملين صوره ومتوعدين بالانتقام، خرج معارضون فى عدة مدن إيرانية – منها كرج وقزوين وشيراز وكرمنشاه وأصفهان وسنندج – يحتفلون بمقتله ويُسقطون تمثالاً لمؤسس الجمهورية الإسلامية آية الله الخمينى – ما يكشف أن التوظيف الدينى المطلق للسلطة السياسية لم ينجح فى توحيد الشعب الإيرانى بل مزّقه وفتح فيه شروخًا عميقة.
رابعًا: مفارقة الدبلوماسية المُجهَضة – حين يقتل التطرف الدينى فرصة السلام
لعل أشد ما يكشف خطورة التوظيف الدينى فى هذه الحرب هو أنها لم تندلع فى فراغ دبلوماسي، بل اندلعت فى لحظة كان فيها السلام أقرب مما كان عليه فى أى وقت مضي. ففى مساء الجمعة السابع والعشرين من فبراير 2026 – أى قبل ساعات معدودة فقط من انطلاق الصواريخ – كان وزير خارجية سلطنة عُمان بدر بن حمد البوسعيدى يُصرّح لشبكة «سى بى إس» الأمريكية بأن المفاوضات النووية التى توسّطت فيها مسقط قد حققت «إنجازًا غير مسبوق»، وأن طهران وافقت على عدم امتلاك أى مواد نووية قابلة لصنع قنبلة، ووافقت على التفتيش الكامل من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وأن «الصفقة فى متناول أيدينا» وتحتاج ثلاثة أشهر فقط لاستكمالها. غير أن هذا الاختراق الدبلوماسى الاستثنائى – الذى تجاوز كل ما حققه اتفاق أوباما النووى عام 2015 – سُحق تحت جنازير العقيدة الأخروية التى لا تريد حلاً سلميًا أصلاً، لأن السلام فى منظورها يُعطّل السيناريو الإلهى المرسوم لنهاية العالم.
وهنا تتجلى المفارقة المأساوية فى أوضح صورها: لم تكن المشكلة أن الدبلوماسية فشلت، بل أنها نجحت – ونجاحها بالذات هو ما أزعج أصحاب المشاريع الأخروية من الصهيونية المسيحية والصهيونية الدينية اليهودية على حدٍّ سواء، لأن اتفاقًا نوويًا ناجحًا يعنى إزالة «التهديد الوجودي» الذى بُنيت عليه كل الحجج اللاهوتية لتبرير الحرب، ويعنى تطبيع إيران فى المنظومة الدولية بدلاً من شيطنتها، ويعنى – فى نهاية المطاف – أن «هامان العصر» لم يعد هامانًا، وأن قصة البوريم فقدت مبرر استدعائها.
التوظيف الدينى وتعطيل آليات القانون الدولي
إن الخطر الأعمق الذى يطرحه التوظيف الدينى للحرب لا يقتصر على تأجيج العواطف وتعبئة الجماهير – وهو أمر خطير بحد ذاته – بل يمتد إلى تقويض البنية القانونية الدولية ذاتها التى أرساها المجتمع الإنسانى عبر قرون من الحروب والمعاناة. فحين يُصنَّف الخصم باعتباره «عماليق» أو «تجسيدًا للشر المطلق» أو «عقبة أمام ظهور المخلّص»، فإن مبادئ التمييز بين المدنيين والمقاتلين، ومبدأ التناسب فى استخدام القوة، ومبدأ الضرورة العسكرية – وهى المبادئ الجوهرية فى القانون الدولى الإنسانى – تفقد معناها وإلزامها الأخلاقى فى نظر من يعتقدون أنهم يُنفّذون أمرًا إلهيًا لا يخضع لقانون بشري. وقد رأينا تجلّيات ذلك حين استُهدفت مبانٍ سكنية ومدرسة فى إيران سقط فيها 153 ضحية بحسب تقارير «بى بى سي»، وحين طالت الصواريخ الإيرانية فنادق فى دبى ومبنى سكنيًا فى الدوحة ومطار الكويت الدولى ومقار دبلوماسية فى المنامة.
ومن هنا فإن المطلوب ليس مجرد وقف إطلاق النار – على أهميته القصوى والعاجلة – بل إعادة بناء الإطار المعرفى والأخلاقى الذى يحكم العلاقات الدولية، بحيث لا يكون للرؤى الأخروية – مهما كان مصدرها الدينى – أى سلطة على قرارات الحرب والسلم.
وهذا بالتحديد ما يمكن أن يقدّمه الخطاب الدينى الرشيد فى مجال العلاقات الدولية فى الإسلام – التى وضعها الإمام محمد بن الحسن الشيبانى فى القرن الثانى الهجري، والتى تُعدّ من أقدم المدوّنات القانونية المنظِّمة للحرب والسلم فى تاريخ البشرية. فهذا التراث يقوم على مبدأ أن الأصل فى العلاقات الإنسانية هو السلم لا الحرب، وأن الحرب استثناء مشروط بشروط صارمة لا يجوز تجاوزها، وأن حماية غير المقاتلين واجب دينى لا يسقط بأى ذريعة، وأن «الغاية لا تبرر الوسيلة» فى أحكام الحرب الإسلامية مهما عظُم الخصم وتعاظم الخطر.
خامساً: الصوت الغائب
ما يقلقنى حقًا هو أن الفضاء العام الإقليمى والدولى قد اختُطف بالكامل من ثلاث روايات أخروية متصارعة – صهيونية يهودية متطرفة، وتدبيرية مسيحية إنجيلية، ومهدوية شيعية – بينما غاب أو كاد يغيب صوت الاجتهاد السنى الرشيد الذى يملك تراثًا فقهيًا هائلاً وعريقًا فى أحكام السير والجهاد والحرب والسلم، يقوم على قواعد صارمة ومفصّلة فى التناسب وحماية غير المقاتلين والنهى عن التدمير العشوائى وتقدير المصالح العامة ودرء المفاسد الكبرى والميل إلى السلم كلما أمكن ذلك.
وهنا تبرز الأهمية البالغة للمواقف التى اتخذتها الدولة المصرية ممثلة فى رئيسها ومؤسساتها الكبيرة فى الفترة الأخيرة فى الدعوة إلى الحوار كأداة لحل النزاعات
فقد أعرب الرئيس عبد الفتاح السيسى – فى اتصال هاتفى مع نظيره الإيرانى مسعود بزشكيان قبل أسابيع من الضربات – عن «رفض مصر القاطع للحلول العسكرية» وتأكيده أن «الحلول الدبلوماسية هى السبيل الوحيد والأمثل لتسوية الأزمة بما يضمن تجنيب المنطقة المزيد من التوتر وعدم الاستقرار». ثم جاء بيان وزارة الخارجية المصرية عقب بدء الضربات ليحذّر بصراحة من أن استمرار الحرب سيؤدى إلى «انزلاق المنطقة بأسرها إلى حالة من الفوضى الشاملة، التى ستكون لها بدون شك تداعيات كارثية على الأمن والاستقرار والسلم الإقليمى والدولي»، مجددًا التأكيد على أن «الحلول العسكرية لن تفضى سوى إلى المزيد من العنف وإراقة الدماء». ومصر هنا لا تتحدث بوصفها وسيطًا محايدًا بل بصفتها طرفًا معنيًا مباشرة بالأمن الإقليمى وبأمنها القومى الخاص، وهو موقف يستحق كل تقدير وإسناد من الرأى العام المصري.
هذا الموقف المتوازن والعميق يمثل خط الدفاع الفكرى الأخير ضد فوضى التوظيف الدينى للحرب من كل الأطراف – وهو خط تحتاجه المنطقة اليوم أكثر من أى وقت مضي.
رسالة من القاهرة إلى العالم
الدرس الأكبر والأخطر الذى تقدمه هذه الحرب للبشرية هو أن الأسلحة الأشد فتكًا ليست بالضرورة الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والقنابل الذكية، بل النصوص المقدسة حين تُجنَّد فى خدمة آلة القتل وتُحوَّل من مصادر للهداية والرحمة إلى ذخائر للحرب والدمار. فسفر إستير يتحول على يد الصهيونية الدينية إلى مبرر للاغتيال السياسى والقصف الجماعي، والإنجيل يصبح على لسان التدبيريين المسيحيين تفويضًا إلهيًا للقصف الجوى وتغيير الأنظمة بالقوة، وانتظار المهدى يتحوّل عند الطرف الإيرانى إلى رخصة مفتوحة للتصعيد والتدمير المتبادل بلا سقف ولا حدود.
ما تحتاجه المنطقة والعالم اليوم – وما تستطيع مصر بمؤسساتها الدينية العريقة ذات المصداقية التاريخية أن تتصدر ريادته – هو مشروع حضارى كبير يمكن تسميته «نزع السلاح الديني»: مبادرة فكرية وأخلاقية شجاعة يطلقها علماء الأديان جميعًا ويُصرّون فيها على حقيقة بسيطة لكنها مصيرية: أن اسم الله – تعالى – لا يجوز تجنيده فى خدمة الحملات العسكرية، وأن قداسة الحياة الإنسانية تعلو على كل جدول زمنى أخروى وكل سيناريو نهاية العالم، وأن أى تفسير للنص المقدس يبرر قتل الأبرياء هو تفسير فاسد مردود على أصحابه مهما ادّعوا من علم أو سلطة دينية.
لقد آن الأوان لأن يرتفع صوت العقل الدينى الرشيد والمعتدل فوق قعقعة السلاح ودوى الصواريخ – لا ليُبرر الحرب باسم السماء كما يفعل المتطرفون فى كل المعسكرات، بل ليُوقفها باسم الإنسان وباسم الله الذى سمّى نفسه «السلام» وجعل الرحمة أوسع صفاته.
إن مصر بمؤسساتها الدينية ودبلوماسيتها الرشيدة وتاريخها الحضارى الممتد – مؤهلة أكثر من أى طرف آخر فى العالم العربى والإسلامى لحمل هذه الرسالة إلى العالم فى هذه اللحظة المصيرية. فلتكن هذه ساعتنا ولتكن هذه رسالتنا.
البابا لاون الرابع عشر – وهو أول بابا أمريكى الجنسية فى تاريخ الكنيسة – قال اليوم من ساحة القديس بطرس: «أوقفوا دوامة العنف قبل أن تصبح هاوية لا يمكن الرجوع منها… السلاح لا يزرع سوى الدمار والألم والموت». نحن نقول من القاهرة: مع هذه الدعوة. لكننا نضيف أن السلاح الأخطر ليس ما يُطلَق من الطائرات، بل ما يُطلَق باسم الدين فى تبرير القتل والعدوان والدين منهما براء.









