تتجلى عبقرية الجغرافيا السياسية لمصر ليس فقط فى كونها قلب المنطقة النابض، بل فى قدرتها الفائقة على تحويل «تحدى الموقع» إلى «مسئولية الموقف». وفى ظل الأمواج المتلاطمة التى يمر بها الإقليم حالياً، جاءت كلمات الرئيس عبدالفتاح السيسى، خلال ذكرى انتصارات العاشر من رمضان، لترسم خارطة طريق وطنية شديدة الوضوح، تمزج بين الرؤية الإستراتيجية الثاقبة والالتزام الأخلاقى تجاه الأشقاء، مع وضع «الأمن القومى المصري» كخط أحمر لا يقبل القسمة على اثنين.
لم تكن السياسة المصرية يوماً رد فعل للأحداث، بل هى فاعل يسعى لوأد الفتن فى مهدها. إن ما كشف عنه الرئيس من جهود مصرية مخلصة ومستنيرة جرت فى الكواليس لأشهر للوساطة بين القوى الإقليمية والدولية، يعكس إدراكاً عميقاً بأن «تكلفة السلام» مهما علت، تظل زهيدة أمام «فاتورة الدمار» التى تخلفها الصراعات المسلحة. فمصر تؤمن بأن التقديرات الخاطئة فى إدارة الأزمات لا تدفع ثمنها الأنظمة فحسب، بل تقوض استقرار الشعوب لسنوات طويلة، وتُحدث خللاً فى التوازنات الإنسانية والاقتصادية يصعب ترميمه.
فى قلب هذا الموقف، تبرز «ثوابت مصرية» راسخة، فمصر ترفض بشكل قاطع سياسات الاعتداء على الدول، وتؤكد وقوفها صفاً واحداً مع الأشقاء فى الخليج والدول العربية. هذا الدعم ليس مجرد تضامن معنوي، بل هو جزء أصيل من عقيدة الأمن القومى المصرى التى تعتبر استقرار الجوار العربى امتداداً طبيعياً لاستقرار الداخل. إن تحركات القيادة السياسية تهدف بالأساس إلى لجم جماح التصعيد ومنع اتساع دائرة الصراع، تجنباً لسيناريوهات الفوضى التى قد تبتلع المكتسبات الإقليمية.
يدرك الرئيس السيسى، بمنطق القائد المسئول، أن الحروب الحديثة لا تقتصر آثارها على جبهات القتال، بل تمتد لتضرب شرايين الاقتصاد العالمي. فمن غلق المضايق الحيوية وتأثيره على تدفقات الطاقة، إلى تراجع حركة الملاحة فى قناة السويس – الشريان الذى دفع ثمن تداعيات ما بعد السابع من أكتوبر – تظهر التحديات واضحة.
ومع ذلك، جاءت رسالة الطمأنة للداخل المصرى مباشرة وحازمة: الدولة المصرية ليست فى وضع «الانتظار»، بل هى فى وضع «الاستعداد». لقد نجحت الدولة فى تدبير الاحتياطات اللازمة وتخطيط السيناريوهات البديلة لتأمين الاحتياجات الأساسية للمواطنين، رغم حالة «اللا يقين» التى تغلف المدى الزمنى للأزمة. إنها إدارة علمية تتسم بالصبر والتروي، وتتجنب الاندفاع الذى قد يورط البلاد فى تداعيات غير محسوبة.
إن الرهان الحقيقى فى هذه المرحلة، كما أكد الرئيس، يقع على «وعى المواطن المصري». فمنذ عام 2020، واجهت مصر سلسلة من الأزمات الكونية المتلاحقة، من جائحة كورونا إلى الحرب الروسية – الأوكرانية، وصولاً إلى الصراعات المشتعلة على حدودنا الشرقية والتوترات الإقليمية الراهنة.
لقد كان «التكاتف بين الشعب والدولة» هو السر الحقيقى وراء صمود مصر وبقائها واحة للأمن فى محيط مضطرب. إن تقدير القيادة لصبر الشعب المصرى وتحمله لتبعات هذه الظروف الخارجة عن إرادة الدولة، هو المحرك الأساسى لبذل أقصى الجهد لتحسين الأوضاع المعيشية رغم كل المعوقات.
تظل مصر، بقيادتها وجيشها وشعبها، قوة رشاد واتزان فى المنطقة. إن رسالة الرئيس السيسى فى ختام حديثه كانت بمثابة العهد والوعد: «مصر فى أمان بفضل الله، ولا يجرؤ أحد على المساس بها».
إننا أمام دولة تتقن فن «القوة الهادئة»، تبنى فى الداخل، وتحمى فى الخارج، وتمد يد السلام للجميع، لكنها تظل دوماً يقظة، تحمى سيادتها وتصون كرامة شعبها فى عالم لا يعترف إلا بالأقوياء والراسخين.









