رمضان كريم.. شهر نستحضر فيه معانى الخير، ونلجأ فيه إلى القرآن لنريح قلوبنا ونزداد علما وحكمة وإيمانا. تذكرت بالأمس، وأنا أقرأ القرآن، حكايةً تقول إن وفدا من علماء الدين العراقيين زار المغرب قبل عدة سنوات فى عهد الملك محمد الخامس. قيل إن الملك دعاهم فى شهر رمضان ليستزيد من علمهم، فاستضافهم عدة أيام وأكرمهم، ومنح كل واحد منهم ساعة ثمينة، بينما خص رئيس الوفد بهدية مختلفة: مصحفا مكتوبا بالكامل بماء الذهب. كانت هدية تحفة عالية القيمة، لكن عين الشيخ كانت على الساعة. وعند الوداع قام الشيخ بشكر الملك على حسن الضيافة، وقال إنه قرأ فى المصحف الذهبى آية تقول «إن الساعة آتية لا ريب فيها» فهم الملك المغزي، فدوت ضحكته فى القاعة، وخلع ساعته وأعطاها للشيخ.
القصة طريفة، وقد ابتسمت حين قرأتها. لكن حين تأملتها أدركت أن كل ما جاء فى القرآن يتسع لمعانٍ كثيرة، وأن الإنسان قد يجد فيه ما يعبر به عما يرجوه أو يتمناه. ومن هنا سرحت بأفكارى فى هموم الواقع، فتذكرت قوله تعالي: «إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذى القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي».
توقفت طويلا عند كلمة البغي؛ فهى ليست ظلما عابرا، بل طغيان قوة حين تتجاوز حدها، واستعلاء نفوذ حين يتحول إلى قهر وإكراه. هذه الكلمة جعلتنى أتذكر واقع الساحة العالمية الحالي.. أمر لا يرضى أحد؛ ليس فيه اى عدل أو رحمة أو إنسانية، انما كله قهر وبغي. أدوات القوة العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية تتمركز فى يد قلة من الدول، بل ربما فى يد قلة من البشر، يتصورون أنهم يمتلكون مفاتيح القرار الدولي، ويتحكمون فى ثروات الشعوب ومساراتها، دون اعتبار للعدالة أو مصالح الشعوب أو مستقبلها. فى مثل هذا المناخ الملوث، يبدو ميزان العدالة مائلا؛ فكفة القوة والغطرسة أصبحت أثقل وزنا من الحق والعدالة.
ولعل ما يتعرض له الفلسطينيون فى الضفة الغربية مثال واضح على هذا الاختلال، توسع استيطانى مستمر، وتهديدات متصاعدة، وضغوط يومية تمس الأرض والحجر والبشر. ويبقى شعب بأكمله يعيش غريبا فى وطنه ويتحول الوطن بأكمله الى سجن واسع. ولعل من أعجب مشاهد الظلم والبغى فى المشهد السياسى العالمى هو ما صدر مؤخرا على لسان وزير الخارجية الأمريكى بشأن ما اعتبره «حقًا» للكيان المحتل فى التوسع نحو أراضٍ مجاورة فى عدة دول عربية.. وهو أمر يعكس بوضوح حجم الاختلال فى ميزان العدالة الدولي. فحين تطرح قضايا تتعلق بالأرض والسيادة وكأنها قابلة لإعادة رسم الحدود وفق موازين القوة، لا وفق قواعد القانون الدولى المستقرة، فإن الرسالة تتجاوز حدود التصريح ذاته. يصبح الأمر إيحاء بأن الإرادة السياسية للأقوى قادرة على إعادة تعريف الحق.
والمفارقة أن مثل هذه التصريحات تصدر فى نفس يوم انعقاد مجلس جديد للسلام يرفع شعارات السلام والاستقرار. هنا لا يكون الخلل فى الكلمات وحدها، بل فى ما تمنحه من شرعية ضمنية لمنطق فرض الأمر الواقع. وهكذا يميل الميزان أكثر، ليس بفعل حرب معلنة، بل بفعل خطاب يعيد ترتيب الأولويات بين الحق والقوة.
القرآن حين قال إن الله يأمر بالعدل، لم يربط العدل بمصلحة، ولم يقيده بقوة، بل جعله أمرا مطلاً. والعدل، فى جوهره، هو إعادة الميزان إلى وضعه الطبيعي؛ ألا تطغى كفة على أخرى لمجرد أنها تملك أدوات أثقل.
قد يميل الميزان حينا، لكن الظلم دائما ما يزول ليبقى العدل قيمة ثابتة، ويبقى الحق أرسخ من كل معادلات القوة.
وحسبنا الله ونعم الوكيل.









