«أردت أن أعلن على الملأ مدى امتناننا للرئيس والشعب الأمريكي، ومدى غضبنا من تلك الحكومات، وخاصة الفرنسية والبريطانية التى اختارت فرض حظر على شحنات الأسلحة أثناء القتال دفاعا عن أرواحنا».. هنا تتحدث جولدا مائير على مدار أربعين دقيقة رغم اعترافها بالتعب والارهاق الشديدين نتيجة بلاغات يوم الثامن من اكتوبر وما حدث من مذبحة لدبابات الكيان، وما تلاها من معارك قاسية من جانب المصريين أحدثت خسائر كثيفة فى الأرواح والعتاد الصهيوني، لكنها وفى يوم الخامس عشر من أكتوبر قد اقتنعت بضرورة إحداث ثغرة بين الجيشين المصريين واستغلال كل معلومات متاحة من جانب الأقمار الاصطناعية الأمريكية وعمل شيء أشبه بالمسرحية، حتى إنها تعترف بجسامة وفجاعة القدرة المصرية فى القتال، وتقول: «قضيت عدة أيام والعذاب يمزقنى خوفا من أن تفتح علينا جبهة ثالثة».. لكنها آثرت الاعلان عن الامتنان القدير للحليف الأمريكي، ومعاتبة الشريكين القديمين فى عدوان 56 كل من فرنسا وانجلترا لعدم مشاركتهما الحرب مع الكيان ضد المصريين والعرب.
وتقول: «فى 15 أكتوبر بدأت القوات الاسرائيلية فى عبور قناة السويس من أجل إقامة جسر على الجانب الآخر».. إلا أن هذه المسرحية الهزلية والتى كانت تعارضها جولدا بشكل قاطع، آلا أنها أمام ضغط المصريين المتزايد، سلمت إلى أية خطوة وآن كانت تمثيلية تستطيع بها أن تستمر فى خداع شعبها لتخفيف ضغط النقض المتزايد على النظام وآلته العسكرية المنهارين، حتى أنها تعترف: «قضيت تلك الليلة فى مكتبي، وأنا أظن أنها لن تنتهي»..وبدا جليا على انها تقترب من الانهيار النفسى من جديد، ذلك التوتر مرجعيته العملية وعلى الأرض هو فشل تنفيذ استغلال الثغرة لمرات عديدة، كما كانت تصل لجولدا الانباء من الجبهة الجنوبية عن الفشل المتكرر، وتقول: «كان مقررا أن يتم العبور أصلا فى الساعة السابعة مساء» وتستطرد: «ثم أبلغت أن العبور قد تأجل إلى الساعة التاسعة» وتكرر اعترافها بالتأجيل: «ثم تأجل العبور حتى العاشرة» ومن جديد لا تخجل من تكرار التردد فى التنفيذ، وتقول: «وتأجل مرة ثانية بسبب عجزنا من إقامة الجسر».
وتعترف جولدا بأن مرات التردد المتكررة، شاركها فى مرارتها وزرائها الذين كانت قد جمعتهم بمكتبها لتعلمهم قبيل العبور مباشرة، وتعترف: «كان الوزراء فى هذا الوقت قد حضروا الى مكتبي، وجلسوا فيه ينتظرون معى طوال الليل أنباء العملية».. وتصف بأسلوب درامي: «وبين كل عشر دقائق أو ربع ساعة، كان أحدهم يدخل ليقول: سيتم الأمر حالاً، فقط ربع ساعة».. إلا أن اقتناع القيادة بكون العبور سيكلف أرواح ومعدات ولن يزيد عن كونه تمثيلية(!) وتعترف بذلك جولدا: «انقضى الليل فى عذاب وتوتر واستطاع المظليون العبور، أما المشاة والمدفعية والدبابات فقد تعطل نتيجة لقتال وحشى واجهناه».. هذا الاعتراف سيأتى دوره من جانبنا فى تكراره عندما ننشر اعترافات اريئيل شارون عن كتابه «مدمرات أريئيل شارون» التى سيخبرنا بكونه قائد المظليين فى الثغرة برغبته فى احداث أى شيء ولو كان مجرد تمثيلية تليفزيونية تخدع الرأى العام العالمي(!) وسيأتى عليه الدور فى نشر اعترافاته، إن شاء الله.
وأمام الكنيست يوم السادس عشر من أكتوبر تعترف جولدا: «فى الجنوب كانت مصر تريد توزيع قواتها فى كل سيناء» وتستطرد: «ها هى الحرب تشن مرة أخرى ضد وجود الدولة والأمة».









