حوار- منى جاد :
تتشابك الأصوات، وتتزاحم الخطابات، ويظل السؤال حاضراً، كيف يمكن للخطاب الدينى أن يحفظ الثوابت، ويُحيى القلوب، ويواكب العصر فى آنٍ واحد؟
وبين الانضباط الذى تمثّله المؤسسات الدينية مثل الأزهر الشريف، والأوقاف، والإفتاء.. وبين العمق الروحى الذى جسّدته مدارس التصوف، تبرز الحاجة إلى معادلة متوازنة تجمع بين العقل والقلب، بين الفقه والإحسان، بين النص وروحه.
فى هذا الحوار، نقترب مع د.محمد أبوهاشم عضو مجمع البحوث الإسلامية رئيس قطاع التصوف بالمشيخة العامة للطرق الصوفية من ملامح الخطاب الديني، ونستكشف موقع التصوف فى جزئيات هذا الخطاب، ونتأمل مستقبل الدعوة وتجديد أدواتها، وصولاً إلى رسالة واضحة للشباب، الذين يقفون اليوم فى مفترق طرق بين تعدد الخطابات وتنوع المرجعيات.
> بداية، كيف ترون طبيعة الخطاب الدينى الرسمى اليوم؟
>> الخطاب الدينى الذى يقوم عليه العاملون فى المؤسسات الدينية خطاب هادف إلى الحفاظ على الثوابت، وصيانة العقيدة، وحماية المجتمع من الفكر المنحرف، ويجب أن يكون هذا الخطاب منضبطا بضوابط العِلم، والمسئولية أمام الله ثم أمام الوطن، ولكن هذا الخطاب يجب أن يخرج من إطار الأداء العملى إلى مفهوم الرسالة، وهناك فارق بين العامل وحامل الرسالة، أما العامل فإنه يؤدى ما تعهد القيام به إبراء لضميره، أما صاحب الرسالة فإنه يأبى سوى وصول رسالته إلى الناس جميعا مهما دفع ثمنًا لذلك، ويسعى إلى تطوير أدواته بما يناسب العصر الذى يعيشه، وهذا المعنى هو الذى نفتقده فى كثير من الأعمال فليس الأمر مقتصراً على الداعية والدعوة.
> الخطاب الصوفى هل يمكن أن يرتقى ليصبح خطاباً موازياً؟
>> الخطاب الصوفى ليس خطاباً موازياً أو معارضاً، بل هو خطاب تكاملى له أبعاد روحية عميقة داخل البناء الإسلامى نفسه، والتصوف الصحيح عِلْم تزكية النفوس، واساسه الذى ينهض عليه إحياء مقام الإحسان الذى تحدث عنه النبي: «أن تعبد الله كأنك تراه» فإذا كان الخطاب الرسمى يحفظ العقول، فإن الخطاب الصوفى يوقظ القلوب، ولا يستقيم مجتمع بعقلٍ بلا قلب، ولا بقلبٍ بلا عقل.
> هناك من يرى فجوة بين الخطابين.. هل هذا صحيح؟
>> الفجوة ليست فى الجوهر، بل فى سوء الفهم، فعندما يُقدَّم التصوف فى صورته المنضبطة بالكتاب والسنة، فهو داعم قوى للخطاب الرسمي، لأنه يرسّخ الوسطية، ويُربى على الأخلاق، ويُبعد الناس عن التطرف، والمشكلة تظهر حين يُختزل التصوف فى طقوس شكلية، أو يُختزل الخطاب الرسمى فى لغة جافة لا تلامس وجدان الناس.
> أيمكننا القول: إن التصوف صمام أمان للمجتمع؟
>> التصوف الصحيح كان عبر التاريخ سدّاً منيعاً أمام الغلوّ والتشدد، فمدارس السلوك التى نشأت فى رحاب علماء التصوف كانت تُعيد التوازن بين الفقه والروح، وبين الحكم الشرعى والذوق الإيماني، والأمة حين تفقد هذا التوازن، تميل إما إلى تطرفٍ جامد، أو إلى تسيّبٍ منفلت.
> كيف يمكن دمج البعد الصوفى داخل الخطاب الديني؟
>> هذا يستلزم إحياء خطاب الإحسان إلى جوار خطاب الأحكام، وتدريب الدعاة على مخاطبة القلوب لا العقول فقط، والتركيز على قيم المحبة، والرحمة، والإخلاص، والزهد فى الصراعات، والناس أصبحت فى معاناة من الإرهاق النفسي، ويبحثون عمّن يربطهم بالله برفق، لا بمن يثقل عليهم بالتعنيف.
> الشباب ينفرون من الخطاب التقليدي، برأيكم ما السبب؟
>> الشباب لا يرفضون الدين، بل يرفضون الأسلوب الذى لا يشبه واقعهم، وإذا وجد الشاب من يحدثه عن الله بِحُبٍ، وعن التوبة بأمل، وعن العبادة بمعني، فلا شك أنه سيصغى لذلك، وهنا يأتى دور الخطاب الصوفى الرشيد، لأنه يخاطب الإنسان من داخله، ويعيد تعريف علاقته بربه بعيداً عن التخويف المفرط أو الجدل العقيم.
> كيف نحقق معادلة الداعية المتحصن بأدوات العصر؟
>> الطريق بسيط علينا تحصين الداعية بأدوات الفقه والذوق، والعلم والرحمة، وأن يعلم الداعية أن الدين ليس مجرد أوامر، بل أنوار، وأن المجتمع لا يحتاج إلى خطيب يعلو صوته، بقدر ما يحتاج إلى قلبٍ صادقٍ يصل إلى القلوب.
> ملامح الخطاب الدينى هل يمكنكم تحديدها فى هذه المرحلة؟
>> الخطاب الدينى يتحمل مسئولية تاريخية؛ فهو لم يعد خطاب وعظٍ تقليدي، بل أصبح خط الدفاع الأول عن وعى الأمة، خطاباً مسئولاً عن حماية الثوابت، وترسيخ الهوية، ومواجهة التطرف والتفلت الفكري، ويجب دعَّم الخطاب الدينى ببعض الأبعاد الروحية، حتى لا يفقد تأثيره فى الناس، لأن المجتمعات لا تعيش بالنصوص وحدها، بل بالمعانى التى تُحيى تلك النصوص فى القلوب.
> هل توجد نقطة التقاء بين الخطاب الدعوى والخطاب الصوفي؟
>> التصوف الصحيح ليس تيارًا خارج المؤسسة الدينية المسئولة عن الخطاب الدعوي، ولا حالة وجدانية منفصلة عن الشريعة إنه علم الإحسان، وتربية النفس، وضبط السلوك، فعندما نقرأ تراث الصوفية نجده نموذجًا فريداً للجمع بين الفقه والتزكية، والعقل والقلب، فالخطاب الرسمى يحمى البناء، والخطاب الصوفى يمدّه بالروح، والمعادلة الصحيحة ليست فى الفصل بينهما، بل فى تكاملهما.
> البعض يتحدث عن فجوة بين الخطابين؟
>> الفجوة- إن وُجدت- ليست فى الجوهر، بل فى طريقة التقديم، وحين يُختزل الخطاب الرسمى فى لغة جافة، أو يُختزل التصوف فى مظاهر شكلية، ينشأ سوء الفهم، أما إذا قُدِّم التصوف باعتباره مدرسة أخلاق وسلوك، فإنه يصبح داعماً قوياً للخطاب المؤسسي، لأنه يُحصّن النفوس من الغلوّ، ويُربى على الوسطية والاعتدال.
> كثيراً ما يُطرح مصطلح «تجديد الخطاب الدينى»، كيف تفهمونه؟
>> التجديد لا يعنى تغيير الثوابت، بل تجديد طريقة العرض، وأسلوب الفهم، وآليات التواصل، فالثوابت باقية، لكن العقول تتغير، والوسائل تتطور، والتحديات تتبدل، والتجديد الحقيقى يبدأ من فهم الواقع، وقراءة تحديات الشباب، وتقديم الدين باعتباره مشروع حياة، لا مجرد أحكام متفرقة.
> التجديد هل مسئولية المؤسسات فقط؟
>> التجديد مسئولية جماعية، لكن المؤسسات هى القاطرة، وينبغى أن يكون لدينا برامج واضحة لتأهيل الدعاة فكرياً ونفسياً، لا علمياً فقط، والداعية اليوم يواجه أسئلة فلسفية، وشبهات رقمية، وتحديات اجتماعية معقدة، فلا يكفى أن يكون حافظًا للنصوص، بل يجب أن يكون واعياً بالواقع.
> ما أبرز جوانب التطوير المطلوبة فى تدريب الدعاة؟
>> تأهيل الدعاة يجب أن يعتمد على التأصيل العلمى الرصين، والمعرفة الدقيقة للنصوص وأدوات الاجتهاد، والتأهيل النفسى والروحي، وتزكية النفس قبل دعوة الآخرين، والتدريب الإعلامى والتواصلي، وتعلم فنون الخطاب، وإدارة الحوار، والتعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي، والوعى بالقضايا المعاصرة فى الاقتصاد، وعلم النفس، وقضايا الأسرة، والفكر الحديث، كما يجب التأكيد أن الداعية المعاصر لا يقف على المنبر فقط، بل يقف أمام كاميرا، ويكتب منشوراً، ويخاطب جمهوراً عالمياً.
> ماذا عن تأهيل الأئمة؟
>> الإمام أقرب إلى الناس، وهو من يلتقى بهم أسبوعياً فى صلاة الجمعة، ويشاركهم أفراحهم وأحزانهم، لذلك يجب أن يُنظر إلى الإمام باعتباره قائداً مجتمعياً، لا مجرد خطيب، وينبغى دعمه علمياً، وتوفير برامج تدريب مستمرة له، وتزويده بمهارات إدارة الحوار المجتمعي، وحل النزاعات، والتعامل مع الشباب، كما أن الإمام يحتاج إلى دعم معنوى ومجتمعي، حتى يشعر بقيمة دوره، فينعكس ذلك على أدائه.
> هل يمكن للخطاب الصوفى أن يسهم فى حماية المجتمع من التطرف؟
>> التصوف الصحيح يُعلّم الإنسان التواضع، ومحاسبة النفس، واحترام الآخر، والخطاب الصوفى يُهذّب ولا يُقصي، ويجمع ولا يُفرّق، وحين نُحيى قيمة الإحسان، نُغلق أبواب الغلوّ، لأن المتطرف غالبًا ما يفتقد البعد الروحى العميق، ويقف عند ظاهر النص دون ذوقه ومقصده.
> ما رسالتكم للشباب الذين يشعرون بالحيرة بين الخطابات المتعددة؟
>> الدين ليس صراع خطابات، بل طريق إلى الله.. وابحثوا عمن يجمع بين العلم والرحمة، بين الفقه والأخلاق، بين النص وروحه، ولا تجعلوا اختلاف الأساليب يُبعدكم عن جوهر الرسالة، فجوهرها واحد: عبودية صادقة، وعمل صالح، وقلب حي.









