كتب ـ مصطفى زكى:
كأنشودة حجرية فى خاصرة القاهرة يمتزج حولها صخب الباعة بتسابيح العابدين، يجسد «مسجد المؤيد» وثيقة مدوية عن قدرة الإنسان على صياغة الجمال من رحم الألم.. نشيد شكر تصاعدت نغماته مآذن تعانق السحاب.
حينئذ، حيث كانت الأرواح تزهق تحت وطأة السجان فى غياهب الظلام، باتت القلوب تحلق فى فضاءات النور.. سطور ذهبية فى كتاب العمارة المملوكية، تروى للعابرين كيف يمكن لإنسان أن يغسل ذاكرة الأرض المؤلمة بماء الوضوء، ويستبدل صليل السلاسل بتراتيل القرآن.
وإذا كان المقريزى قد وصفه فى خططه، فإن المؤرخ ابن تغرى بردى الذى عاصر تلك الحقبة ـ قد أسهب فى وصفه فى كتابه الأشهر «النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة»، واصفًا عظمة البناء وما أُنفق عليه.. يقول: «وهو الجامع الذى ليس بمصر بل ولا فى معمور الأرض أحسن منه، ولا أتقن من صنعته، ولا أغرب من شكله، ولا أبهج من منظره.. فجاء فى غاية الحسن والاتقان، وتناهى السلطان فى تحسينه وزخرفته، حتى صار يشد إليه الرحال، ويتنزه فيه، وصار مفخرة لمصر».
يتصدر «مسجد السلطان المؤيد شيخ» المشهد فى نهاية شارع المعز لدين الله من الجهة الجنوبية.. يقع تحديدًا فى حى الدرب الأحمر، ملاصقًا لأحد أهم بوابات القاهرة الفاطمية، «باب زويلة»، ليمثل مسك الختام لشارع المعز، فبينما يبدأ الشارع بباب الفتوح شمالًا ومسجد الحاكم، ينتهى جنوبًا بهذا الصرح الذى استند بذكاء هندسى نادر على «باب زويلة»، جاعلًا من البوابة العسكرية قاعدة لمآذنه الدينية، فى مشهد يرمز لسيادة الدين على السيف.
وللمكان ذاكرة لا تنسي، فقبل أن يعلو صوت «الله أكبر»، كان هذا الموقع سجنًا مرعبًا يُعرف بـ «خزانة شمائل»، نسبة إلى والٍ قديم.. كان سجنًا يرتعد لذكره الرجال، حيث العتمة الدامسة والقيود الثقيلة.. شاءت الأقدار أن يُسجن فيه الأمير «الشيخ المحمودي» ـ السلطان المؤيد لاحقًا ـ فى صراع سياسى قبل سلطنته.. وفى ليلة اشتد فيها البلاء، وضاق صدره بما رحبت الأرض، رفع الأمير يديه إلى السماء ونذر نذره الشهير: «يا رب، إن خلصتنى مما أنا فيه، وملكتنى مصر، لأجعلن هذا المكان مسجدًا يُعبد فيه الله، ولأطهرنه من دنس العذاب».
صدق الله وعده، فصدق الأمير نذره.. وما إن اعتلى العرش حتى أمر بهدم السجن، وتسويته بالأرض، واستدعى أمهر مهندسى عصره، ليقيموا على أنقاض الأوجاع صرحًا للرحمة، فمحا بجمال الرخام قبح الماضى الأليم.
ويعد الجامع «متحفًا مفتوحًا» لفنون العمارة الإسلامية فى أوج ازدهارها.. يمتلك الجامع واجهة شاهقة الارتفاع، يتوسطها «مدخل تذكاري» شاهق، مزين بالمقرنصات والرخام الملون، أما الباب البرونزى الضخم، فقد نُقل بأمر السلطان من «مدرسة السلطان حسن» ليوضع هنا، وهو تحفة فنية بحد ذاته.
وعند الدخول، يطالعك «صحن سماوي» واسع تتوسطه ميضأة «فسقية» كانت قديمًا مسقوفة بقبة خشبية.. والأرضيات مفروشة بالرخام الدقيق فى تشكيلات هندسية ونباتية تخطف الأبصار، مما يعكس ذروة ما وصل إليه «فن الترخيم» فى العصر المملوكي، أما إيوان القبلة، فهو الأكبر والأجمل، سقفه خشبى مذهب ومزخرف، وجدرانه تزدان بكسوات رخامية تصل إلى ارتفاعات كبيرة، بينما يعد المحراب والمنبر من أنفس النماذج، حيث طُعم المنبر بالعاج والصدف والأبنوس بدقة متناهية، فيما تجسد المئذنتان المعجزة الهندسية للمسجد، إذ ترتفعان فوق برجى باب زويلة، مما منحهما علوًا شاهقًا، وتتميزان ببدنهما الرشيق وزخارفهما الحجرية الدقيقة، وتعتبران الأجمل تناسقًا فى القاهرة.
والسلطان أبو النصر شيخ المحمودي، الملقب بـ المؤيد، مملوك من أصل شركسي، اشتراه التاجر محمود اليزدى فنسب إليه «المحمودي»، وقدمه للسلطان برقوق.. تدرج فى المناصب بفضل ذكائه وقوته حتى وصل لقمة الهرم.. وتولى سلطنة مصر والشام لقرابة تسع سنوات بين عامى 815 و824 من الهجرة.. اتسم عهده بالحزم، وقاد حملات عسكرية ناجحة لتوطيد أركان دولته.
كان المؤيد شخصية استثنائية تجمع بين المتناقضات، فهو قائد عسكرى صلب، وفى الوقت ذاته أديب مرهف الحس، يحب الموسيقي، وينظم الشعر، ويجالس العلماء.. وقد ترك ديوان شعر يعكس ذائقته الأدبية الرفيعة.. وتوفى ودفن تحت القبة التى شيدها داخل مسجده، ليجاور نذره الذى وفى به، ويبقى ذكره مخلدًا كلما رُفع الأذان من فوق باب زويلة.









