كتب- مهاب المناهرى:
الثانية بعد منتصف الليل، ينجح صوت واحد فى كسر الصمت.. دقات منتظمة على طبلة صغيرة، يعقبها نداء مألوف:«اصحى يا نايم وحد الدايم.. رمضان كريم».
فى المنيا، لا تزال طبلة المسحراتى تدق، ولا يزال النداء يعبر الليل، ليؤكد أن رمضان هنا لا يكتمل إلا بمرور المسحراتى.. فهو ليس مجرد عادة عابرة، بل جزء من هوية رمضانية متجذرة.. من الأب إلى الابن حكاية تتوارثها الأجيال.
فى شوارع منطقة أرض سلطان بالمنيا، كريم أحمد نجيب، مسحراتى شاب، يعمل طوال العام على «توك توك»، ومع حلول شهر رمضان الكريم يترك كل شيء ليجوب الشوارع مناديًا للسحورويقول: «دى عادة اتربينا عليها، ومتوارثينها أبًا عن جد منذ أكثر من 35 عامًا.. فقد بدأ وهو طفل صغير من حوالى 5 سنوات، فكان ينزل مع والده يسحّر الناس فى المنطقة، وبعد وفاته أكمل المشوار، ويرافقه فى الرحلة صديقه ياسر حسين، ليصبحا معًا ثنائيًا اعتاده أهالى المنطقة فى ليالى الشهر الكريم.
كريم يبدأ فى ايقاظ النائمين من الساعة 12 منتصف الليل حتى 4 فجرًا، ويأكل هو طعام السحور فى الشارع، «المهم أفرّح الناس وأدخل البهجة لقلوبهم».
ياسر زميله يعمل بنظام اليومية لكنه ينسى هموم وتكاليف الحياة أمام الفرحة التى يراها فى عيون الأهالى ويعتبرها بمثابة المكافأة الحقيقية، موضحًا أن المناداة لساعات طويلة كانت ترهق صوتهما، لذلك قررا الاستعانة هذا العام بمكبر صوت ليساعدهما على إيصال النداء إلى الأدوار المرتفعة فى الأبراج السكنية، ويضيف: «نسير فى الشوارع بالأناشيد الدينية ومدح الرسول صلى الله عليه وسلم وأغانى رمضان، مقررا أنه طول ما ربنا يعطيه الصحة سوف يسير فى تلك المهنة التى يراها رسالة وليست مجرد طقس رمضاني»
كريم وياسر لا ينتظران مقابلًا، أو أجرًا، ويبدآن جولتهما يوميًا بعد منتصف الليل، سيرًا على الأقدام، حاملين طبلة صغيرة وعصًا خفيفة يضبطان بها الإيقاع، إلى جانب مكبر الصوت و»فلاشة» تضم أناشيد دينية وأدعية وأغانى رمضان، فى محاولة لإضفاء أجواء روحانية مبهجة. كما يحرص كريم على تقليد أسلوب الفنان سيد مكاوى فى مدح الرسول صلى الله عليه وسلم، لما يحمله صوته وألحانه من طابع رمضانى أصيل.
يستعيد كريم ذكرياته مع والده، الذى كان ينادى على أصحاب البيوت، بينما حاليا أغلب المنطقة أصبحت أبراجًا سكنية» ورغم تغيّر الملامح العمرانية، لم تتغير الروح؛ حيث ينادين على البيوت بيتًا بيتًا، مرددين النداء التقليدي، وأحيانًا يذكران أسماء بعض الأهالى الذين يعرفونهم منذ سنوات، وبين تعب الطريق وبرودة الليل أحيانًا، يوقن كريم وياسر أن مهنةالمسحراتى ستبقى ما دام هناك من ينتظر صوت المسحراتى فى ليالى رمضان ليستشعر نفحات روح الشهر الكريم ودفء الذكريات.
الحاج فتحى أحمد علي، 76 عامًا، بالمعاش من قرية تلة: رغم انتشار الهواتف الذكية، لا يزال كثير من أهالى القرى يعتمدون على صوتالمسحراتي، أو على الأقل ينتظرونه ويستبشرون بمروره مع قرع الطبلة، وأن الأطفال كانوا ولا يزال بعضهم يتسابقون إلى الشرفات لمشاهدته، ويرددون خلفه النداء، فى مشهد يعيد الذاكرة كل عام، حيث كان المسحراتى يلف فى الشوارع وينادى على أهل كل بيت بأسمائهم فى السبعينيات، وقتما كانت الشوارع بدون إنارة، وكان القادرين فقط يشترون فانوس رمضان أمام بيوتهم، وكان عبارة عن زجاج ملوّن يُضاء بشمعة من الداخل، وكان أطفال القرية يلتفون حول المسحراتي، يرددون الأدعية وعبارة «اصحى يا نايم وحد الدايم»، واصفًا المشهد بأنه «كان مهيبًا وله طعم خاص فى السبعينيات، ورغم تغيّر الأوضاع وتطور وسائل التكنولوجيا الحديثة، والاعتماد على منبهات الهواتف المحمولة سيظل رمضان شهر البركة والخير والروحانيات، ومصدر فرحة كبيرة للأهالي، لكنه يأسف قائلًا: بعد مرور أكثر من نصف قرن، مهنة المسحراتية بتحتضر، ومن جانبها، تقول الحاجة أم محمود بخيت، ربة منزل من مركز المنيا: «لو ما سمعتش الطبلة أحس إن فى حاجة ناقصة.. ده بيفكرنا بأيام زمان»وحتى من يستخدم المنبهات يعترف أن صوت المسحراتى له طابع خاص لا تعوضه التكنولوجيا، ورغم تراجع أعداد المسحراتية واختفاء الظاهرة فى بعض المناطق، فإن المشهد لا يزال حاضرًا بقوة فى قرى المنيا، حيث تبقى الطبلة رمزًا لروح رمضان وذاكرته الحية.
قال الدكتور هشام الفولى رئيس قسم الإعلام التربوى بجامعة اسوان، إن المسحراتى يمثل قيمة تراثية واجتماعية لا يمكن تعويضها بوسائل التكنولوجيا الحديثة، مؤكدًا أن المهنة «جزء من وجدان الناس فى القرى قبل المدن»، مضيفا أن صوت الطبلة فى ليالى رمضان يمنح الشوارع روحًا خاصة، ويعيد للأهالى ذكريات الطفولة والتجمعات العائلية، مشيرًا أن تراجع أعداد المسحراتية فى بعض المناطق لا يعنى اختفاء الفكرة، بل يستدعى الحفاظ عليها باعتبارها موروثًا شعبياً أصيلاً.
من جانبه، أوضح الدكتور رجب محمد أحمد، أستاذ بكلية الزراعة بجامعة المنيا، أن المسحراتى يُعد أحد مظاهر التراث الشعبى المرتبط بالهوية الثقافية للمجتمع المصري، لافتًا أن هذه المهنة لم تكن مجرد وسيلة للإيقاظ، بل كانت أداة لتعزيز الروابط الاجتماعية بين أبناء الحى الواحد. وأضاف أن التطور التكنولوجى غيّر أنماط الحياة، لكن الحفاظ على المظاهر التراثية مثل المسحراتى يسهم فى ترسيخ الانتماء والهوية، خاصة لدى الأجيال الجديدة التى قد لا تعايش تفاصيل الماضى كما عاشها آباؤهم.









