الشهوة طاقة ليست نورًا في ذاتها ولا ظلمة في ذاتها، بل يمكن أن تكون طريقًا إلى المحبة والمودّة، كما يمكن أن تنقلب إلى ذلٍّ ومعصية، إنها قوة خام أودعها الله في الإنسان، تولّد الحركة والرغبة والانجذاب، قال الله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾، فالشهوة جزء من الفطرة، ووجودها داخل في نظام الخلق، ليست المشكلة في وجودها، بل في كيفية توجيهها، فهي إمّا أن تكون سببًا للارتقاء الروحي، وإمّا أن تقود إلى السقوط الأخلاقي.
عندما تُستعمل هذه الطاقة في إطار الحلال والأخلاق، فإنها لا تبقى غريزة حيوانية، بل تتحول إلى معنى روحي، في الزواج تتحول الشهوة إلى مودة ورحمة: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ وفي المال إذا اقترنت بالكسب الحلال والزكاة صارت بركة، ومحبة الأولاد إذا ارتبطت بالتربية والتضحية أصبحت صدقة جارية.
والاستعمال الحلال يولّد ضبط النفس، ويمنح القلب سكينة، ويزيد الروح نورًا، والحيوان يتبع شهوته بلا وعي أخلاقي، أما الإنسان فينظم شهوته بعقله وضميره، وهنا يكمن تميّزه.
والصيام مدرسة عملية تؤكد أن الإنسان ليس عبدًا لرغباته، بل قادر على قيادتها وهذه القيادة هي بداية الرفعة الروحية، والاستعمال السلبي الحرام انحراف شيطاني وذلّ، إذا تجاوزت هذه الطاقة حدودها انقلبت إلى فساد. قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾، والمشكلة ليست في وجود الشهوة، بل في انفلاتها، والشيطان لا يخلق الشهوة، بل يزيّن الانحراف بها: ﴿لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ فإذا فُصلت الشهوة عن الضمير والهداية تحولت إلى طريق شيطاني، ونتيجتها قسوة القلب، واضطراب النفس، ووقوع في المعصية، ثم ذلٍّ وانكسار.
الطاقة التي يمكن أن تكون نعمة تتحول إلى نقمة إذا أسيء استعمالها.
والفرق بين الإنسان والحيوان، والحيوان يملك الشهوة بلا مسؤولية أخلاقية، وأما الإنسان فجمع الله له بين الشهوة والوعي.
قال تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾، ووُضع في داخله طريقان: طريق الفجور، وطريق التقوى، واختياره هو الذي يحدد مقامه، فإن وجّه شهوته في الحلال صارت سببًا للمحبة والبركة والارتقاء، وإن أطلقها في الحرام صارت سببًا للمعصية والذلّ.
الشهوة طاقة، وامتحان وإمكان في آنٍ واحد، والاستعمال الحلال نور وسكينة، وبركة، ورفعة، والاستعمال الحرام ظلم، واضطراب، ومعصية، وذلّ، وقد أعطى الله القوة، وبيّن الطريق، ومنح حرية الاختيار، ثم أقام الابتلاء، وعظمة الإنسان تتجلى في قدرته على تحويل هذه الطاقة من مستوى الغريزة إلى مقام الروح، وهنا يظهر الفرق الحقيقي بين الإنسان والحيوان، وهنا تتحدد رفعة الإنسان أو سقوط.









