العالم اليوم أمام اختبار حقيقى: إما أن ينتصر لمنطق الحوار والمسئولية المشتركة ويكبح جماح التوظيف الأيديولوجى للنصوص والرموز وإما أن يترك الساحة لخطابات الزئير والانتقام لتقود البشرية إلى مزيد من الاحتراب والانقسام والمسئولية
مدير مرصد الأزهر العالمى لمكافحة التطرف
يقف العالم على حافة منعطف بالغ الخطورة، حيث لم تعد الصراعات مجرد تنافس على النفوذ أو اشتباكات عسكرية تقليدية، بل تحولت إلى مواجهات مشبعة بخطابات دينية ورموز تاريخية يُعاد استدعاؤها لتغذية نزاعات الحاضر. ومع نهاية شهر فبراير 2026، تتكثف مشاهد الاضطراب من الشرق الأوسط إلى أوروبا وإفريقيا وأمريكا الشمالية، فى صورة عالم تتشابك فيه الحسابات السياسية مع التأويلات العقائدية، وتختلط فيه المصالح الاستراتيجية بلغة الخلاص المقدس والحروب المصيرية.
ومن غزة التى لا تزال تنزف تحت وطأة العدوان، إلى التصعيد الإسرائيلى ضد إيران تحت مسمى «زئير الأسد»، مرورًا بعودة نشاط تنظيم «داعش» فى بؤر ملتهبة، وتصاعد موجات الإسلاموفوبيا وخطاب الكراهية فى الغرب؛ تتكشف أمامنا لوحة عالمية مضطربة، تُنذر بأن استمرار توظيف الدين فى خدمة الصراع السياسى قد يدفع البشرية نحو هاوية أوسع من مجرد حرب عسكرية، إلى صدام سرديات وهويات تتغذى على الخوف والكراهية.
«زئير الأسد» التوراتى وطبول الحرب على إيران
مع نهاية شهر فبراير 2026، بدأ العالم يعيش توترات حادة لم تعد مجرد صراعات عسكرية عادية، بل تحولت إلى مواجهات «عقائدية» خطيرة. فخلال هذا الأسبوع «من 21 إلى 28 فبراير»، رأينا كيف تُستدعى النصوص الدينية القديمة لتبرير سفك الدماء فى الحاضر.
من مأساة غزة المستمرة، إلى التهديدات الإسرائيلية ضد إيران تحت مسمى «زئير الأسد»، وصولاً إلى عودة نشاط تنظيم «داعش» فى سوريا وتصاعد موجات الكراهية ضد المسلمين فى أوروبا؛ يظهر الواقع الذى ينزلق نحو الهاوية بسبب تداخل الأطماع السياسية مع التطرف الديني، مما ينذر بانفجار وشيك يتطلب الانتباه.
لا يمكن فهم التصعيد الراهن فى المنطقة بمعزل عن «القاموس التوراتي» الذى بات يحكم لغة القادة العسكريين والدبلوماسيين على حد سواء، بما يمثل تحولاً خطيراً فى النبرة الدولية، يقوده تيار يرى تصفية القضية الفلسطينية واستهداف إيران «واجباً دينياً» قبل أن يكون هدفاً سياسياً، وتحت مسمى «عملية زئير الأسد»، أطلقت سلطات الاحتلال عملية عسكرية واسعة تستهدف العمق الإيراني، وهى تسمية ليست عشوائية، بل هى «قنبلة أيديولوجية» مستمدة من رمزية الأسد فى النصوص التوراتية، والأسد هنا هو رمز «سبط يهوذا»، علامة السيادة والقيادة التاريخية، فهذا المسمى يستدعى نصوصاً مثل: «وَرَاءَ الرَّبِّ يَسِيرُونَ كَأَسَدٍ يَزْأَر» «هوشع 11:10»، و «الأَسَدُ قَدْ زَأرَ، فَمَنْ لَا يَخَافُ؟» «عاموس 3:8» فالزئير هنا ليس مجرد صوت، بل هو «إنذار إلهي» بالحسم والقضاء على الخصوم، والمفارقة الاستراتيجية تكمن فى «التوقيت»؛ إذ تتزامن العملية مع الذكرى الـ 106 لمعركة «تل حاي» «1 مارس»، حيث يربض تمثال «الأسد الزائر» فوق قبر «يوسف ترومبلدور»، ليربط الاحتلال بين الذاكرة القومية والواقع العسكري. بل إن اختيار توقيت العملية فى «شبت زاخور» «سبت التذكر» الذى يسبق عيد «البوريم»، يحمل شحنة رمزية هائلة؛ فالبوريم يخلد نجاة اليهود من «هامان الفارسي» فى قديم الزمان، واليوم يُعاد إنتاج المشهد ليصبح «خامنئي» هو «هامان المعاصر»، وتصبح الحرب على إيران «استمرارية تاريخية» للصراع مع بلاد فارس.
وفى سياق متصل، فجّر السفير الأمريكى لدى الكيان الصهيوني، مايك هاكابي، موجة غضب عارمة بوصفه السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية بأنها «مقبولة» استناداً إلى «حق توراتي»، وهذا الخطاب التحريضى الذى يدعمه خلفيته كقس معمداني، قوبل بإدانات شديدة من مصر والسعودية وجامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، باعتباره نسفاً للقانون الدولى وميثاق الأمم المتحدة.
وبينما تستعر الحرب، تبرز مفارقات قانونية فى أوروبا، فطائرة نتنياهو تعبر أجواء فرنسا وإيطاليا رغم صدور مذكرة توقيف بحقه بتهم جرائم حرب، مما يضع «نظام روما» والقانون الدولى على المحك أمام الاعتبارات الدبلوماسية، وفى حين تعلن فرنسا دعمها لخطة إعادة إعمار غزة «بشروط أمنية»، تظل الإجراءات الإسرائيلية فى الضفة الغربية فى نظر باريس «تقويضاً لحل الدولتين».
خارطة التطرف فى العالم
الإرهاب فكرة عابرة للحدود
الإرهاب لم يعد «دولة» لها حدود، بل «فكرة» عابرة للقارات تستغل الأزمات الإنسانية، ففى سوريا، يعتمد تنظيم «داعش» حالياً على «الخلايا الصغيرة» والعمليات المباغتة فى دير الزور والرقة، والأخطر من ذلك هو فرار العناصر من السجون ومخيم الهول، مما يهدد بإعادة إنتاج جيل جديد من المتطرفين بين النساء والأطفال، وسط بيئة هشة تشهد اغتيالات للصحفيين والناشطين.
ولا تزال الحرب بين الجيش السودانى وميليشيا الدعم السريع تفتح أبواب الجحيم على المدنيين، خاصة فى دارفور، مما يدعم استمرار الفوضى والنزوح ويغذى مخاطر الهجرة غير النظامية وانتشار السلاح، رغم محاولات الوساطة المصرية والعربية المستمرة.
واستفاقت بلدة تومبلر ريدج الصغيرة، الواقعة عند سفوح جبال الروكي، على واحدة من أعنف حوادث إطلاق النار فى تاريخها، بعدما قُتل تسعة أشخاص وأصيب 27 آخرون داخل مدرسة ثانوية ومحيطها، إضافة إلى منزل قريب.
وهناك تقاطع خطير بين «التطرف الجهادي» و«اليمين المتطرف» فى تجارة الأسلحة والتمويل، فى ألمانيا، حيث تواصل المحكمة الإقليمية العليا فى كوبلنز محاكمة رجل سورى «46 عامًا» يُشتبه بانضمامه إلى تنظيم داعش لمدة تقارب شهرًا عام 2015 عقب سيطرة التنظيم على منطقة إقامته. وقد طالبت النيابة الاتحادية بسجنه عامين ونصف العام بتهمة الانتماء إلى منظمة إرهابية فى الخارج، مع الدعوة لتبرئته من اتهامات أخطر لعدم كفاية الأدلة، فيما تمسكت هيئة الدفاع ببراءته الكاملة.
تعكس تلك القضية تطبيق مبدأ الولاية القضائية فى جرائم الإرهاب، وإصرار القضاء الألمانى على ملاحقة الانخراط فى التنظيمات الإرهابية خارج الحدود الوطنية، مع الالتزام الصارم بمعايير الإثبات وضمانات المحاكمة العادلة.
كما شهدت إسبانيا إصدار بلدية برشلونة دليلاً توجيهياً للمدارس لاحترام خصوصية الطلاب المسلمين فى رمضان «مرونة الجدولة وتجنب الاختبارات المجهدة». فى المقابل، يواصل اليمين المتطرف «حزب بوكس» التحريض عبر ملفات «حظر النقاب»، بينما وصفت نائبة برلمانية تصريحات زميل لها وصف الإسلام بـ»البدائي» بأنها تتنافى مع قيم المساواة.
وتشهد الصومال تحولاً فى الاستراتيجية الأمنية؛ إذ لم تعد المواجهة عسكرية فحسب، بل ركزت على «تجفيف المنابع المالية» من خلال ملاحقة القيادات المسئولة عن جمع الإتاوات، مما أدى إلى شلل فى قدرات التنظيم اللوجستية.
وفى كينيا برز نموذج فريد للتضامن المجتمعى من خلال مبادرات مجموعات مسيحية قامت بحماية المساجد وتأمين المصلين، فى رد عملى على محاولات حركة الشباب إشعال فتنة طائفية بين أبناء الوطن الواحد.
وكثف الجيش النيجيرى عملياته النوعية فى غابة «سامبيسا» ومحيط بحيرة تشاد ضد «بوكو حرام» و»داعش غرب إفريقيا» ركزت العمليات على قطع طرق الإمداد وتفكيك شبكات الخطف التى تستخدمها الجماعات الإرهابية لتمويل عملياتها عبر الفدية.
خطاب الكراهية
وهناك «الوجه القبيح» للعنصرية التى تستهدف المسلمين فى الغرب، بالتوازى مع محاولات مجتمعية لترسيخ قيم التعايش، حيث تنوعت حوادث طعن ومحاولات اقتحام مساجد فى بريطانيا «مانشستر وسميثويك»، واعتداءات عنيفة من الشرطة الأسترالية على مصلين مؤيدين لفلسطين، وفى كندا، أثار إلغاء مكتب مكافحة الإسلاموفوبيا قلقاً بالغاً حول مستقبل الحماية القانونية للأقليات، ولا تزال فرنسا ساحة مشتعلة للنقاش حول الهوية، فبينما يصدر الجامع الكبير فى باريس دليل «المسلمون فى الغرب» للتوفيق بين الدين والقانون، تشن تيارات اليمين حملات ضد المدارس الإسلامية، واصفة إياها بـ»خريطة تهديد»، ووسط هذا الضجيج، تبرز قصة «أليكس غراندو-تزيترون» الذى يصارع السرطان ليكرس وقته للدعوة للتهدئة بين فرنسا والإسلام.
إن المشهد الذى يرسمه هذا التقرير لا يقتصر على توثيق أحداث أسبوع مضطرب، بل يكشف عن مسار عالمى يتشكل بخطى متسارعة نحو إعادة تعريف الصراعات بوصفها معارك وجود وهوية، تُستدعى لها النصوص الدينية وتُشحذ لها الذاكرة التاريخية، ويُعاد إنتاج الأعداء بصيغ أسطورية تتجاوز حدود السياسة إلى فضاءات العقيدة. فحين تتحول الرموز المقدسة إلى أدوات تعبئة عسكرية، ويتغذى الخطاب العام على ثنائيات «الخلاص» و»الإبادة»، يصبح خطر التطرف عابرًا للحدود والهويات، لا يقتصر على جماعة دون أخرى، بل يمتد كعدوى فكرية تهدد استقرار النظام الدولى برمته.
وفى المقابل، يبرهن الواقع أن مقاومة هذا المسار ليست مستحيلة؛ فكل مبادرة للتعايش، وكل موقف قانونى يحترم العدالة، وكل صوت يرفض شيطنة الآخر، يمثل لبنة فى جدار الحماية المجتمعية ضد الانزلاق إلى الفوضي. إن مواجهة التطرف، أيًا كان مصدره، لا تتحقق بالقوة العسكرية وحدها، ولا بالخطابات الانفعالية، بل برؤية شاملة تعيد الاعتبار لقيم العدل والكرامة الإنسانية وسيادة القانون، وتفصل بوضوح بين قداسة الدين وصراعات السياسة.
إن العالم اليوم أمام اختبار حقيقي: إما أن ينتصر لمنطق الحوار والمسئولية المشتركة، ويكبح جماح التوظيف الأيديولوجى للنصوص والرموز، وإما أن يترك الساحة لخطابات الزئير والانتقام لتقود البشرية إلى مزيد من الاحتراب والانقسام. والمسئولية هنا جماعية، تقع على عاتق الحكومات، والمؤسسات الدينية، والنخب الفكرية، والمجتمعات المدنية، حتى لا يتحول المستقبل إلى صدى دائم لصوت السلاح، بل إلى مساحة أوسع للإنسانية المشتركة والتعايش الآمن.









