اتخاذ قرارٍ ما بناءً على تقديرات غير دقيقة ليس مجرد خطأ عابر، بل قد يكون الشرارة التى تُشعل أزمات معقدة وكوارث ممتدة الأثر. فالتاريخ الإنسانى، على اتساعه، يكشف أن كثيرًا من الحروب والصراعات لم تكن حتمية، بل كانت ثمرة حسابات مختلة، أو قراءة ناقصة للواقع، أو اندفاعٍ غلبت فيه العاطفة على الحكمة. ولعل أخطر ما فى التقديرات الخاطئة أنها لا تُصيب متخذ القرار وحده، بل تدفع الشعوب ثمنها من أمنها واستقرارها ومستقبل أبنائها.
>>>
عبر العصور، كتب الحمقى والمتهورون فصولًا دامية فى كتب التاريخ. قرارات مصيرية اتُّخذت فى لحظات غرور، أو تحت وطأة معلومات منقوصة، أو بدافع سوء فهم لنوايا الآخرين، فكانت النتيجة دوامات من العنف والدمار. كم من حرب اندلعت لأن طرفًا ما بالغ فى تقدير قوته، أو استهان بخصمه، أو ظن أن النزاع سيكون خاطفًا وسهلًا. وكم من أزمة اقتصادية تفاقمت لأن مسئولًا تجاهل مؤشرات الخطر، أو أحاط نفسه بدائرة ضيقة لا تسمع إلا ما يُرضيها.
>>>
فى هذا السياق، تبدو عبارة الرئيس عبد الفتاح السيسى: -التقديرات الخاطئة تصنع الأزمات وتدفع أثمانها الشعوب- تعبيرًا مكثفًا عن درسٍ سياسى وإنسانى بالغ الأهمية. فالتحذير لا يخص دولة بعينها، ولا ظرفًا محددًا، بل هو قاعدة عامة فى إدارة الشأن العام. حين يختل ميزان التقدير، تختل معه بوصلة القرار، وتتحول النوايا – مهما حسنت – إلى نتائج قد تكون قاسية.
>>>
إن خطورة التقدير الخاطئ تكمن فى أنه غالبًا ما يتسلل فى صورة ثقة مفرطة. فصانع القرار قد يعتقد أن خبرته كافية، أو أن المعطيات بين يديه مكتملة، فيُغفل احتمالات أخري، أو يُقلل من شأن تعقيدات المشهد. وهنا تتضاعف المسئولية: مسئولية جمع المعلومات بدقة، وتحليلها بموضوعية، والاستماع إلى آراء متعددة، وتجنب الانغلاق داخل دوائر ضيقة تعيد إنتاج الرأى ذاته.
>>>
وليس الأمر قاصرًا على السياسة والحروب ففى الاقتصاد، قد يؤدى سوء تقدير المخاطر إلى انهيارات مالية تهز حياة الملايين. وفى الإدارة، قد يُفضى قرار غير مدروس إلى إهدار موارد وجهود سنوات. وحتى فى الحياة اليومية، كم من خلاف تفاقم لأن أحد الأطراف أساء فهم موقف الآخر أو اندفع دون تمهل.
>>>
لذلك فإن الدعوة إلى التريث ليست دعوة إلى التردد أو الجمود، بل إلى الحكمة. فالحكمة لا تعنى الخوف من اتخاذ القرار، وإنما تعنى وزن البدائل، وقياس النتائج المحتملة، والاستعداد لتحمل المسئولية. والقيادة الرشيدة هى التى تدرك أن كل خطوة لها تبعات، وأن قوة الدولة أو المؤسسة لا تُقاس فقط بقدرتها على الفعل، بل أيضًا بقدرتها على حساب كلفة هذا الفعل بدقة.
>>>
كما أن التقدير السليم يتطلب بيئة تسمح بالنقاش الصريح. فحين يُقصى الرأى المخالف، أو يُتهم بالنوايا، تضيع فرصة تصحيح المسار قبل فوات الأوان. إن وجود أصوات ناقدة، وخبراء مستقلين، ومؤسسات قوية، كلها عناصر تسهم فى تقليل احتمالات الخطأ. فالتقدير ليس عمل فردٍ مهما بلغت خبرته، بل هو نتاج عمل جماعى تتكامل فيه الرؤى.
>>>
إن ما نراه من أزمات إقليمية ودولية اليوم يذكرنا بأن العالم لا يزال عرضة لأخطاء التقدير. صراعات تتوسع لأن أطرافها لم تحسب جيدًا حدود القوة، وأزمات تتفاقم لأن حلولها لم تُدرس بعمق. وفى كل مرة، تكون الشعوب هى الخاسر الأكبر: تفقد الأمن، وتتراجع التنمية، ويُستنزف الأمل.
>>>
لهذا أكتب لا قدحًا فى أحد، ولا ذمًا فى آخر، بل تأكيد على أن جوهر المشكلة فى كثير من الأحيان يكمن فى لحظة التقدير الأولي. تلك اللحظة التى يُبنى عليها القرار، ومنها تتفرع المسارات. فإذا صلحت، أمكن تجنب الكثير من العثرات، وإذا فسدت، فتحت أبوابًا يصعب إغلاقها.
>>>
إن لعنة التقديرات الخاطئة ليست قدرًا محتومًا، بل يمكن كسرها بالعلم، والشفافية، والشجاعة فى مراجعة النفس. فالأمم التى تتعلم من أخطائها، وتُخضع قراراتها للدراسة والتقييم، تقلل من كلفة التجربة، وتحمى شعوبها من مغامرات غير محسوبة.
>>>
فى النهاية، تبقى الحكمة فضيلة السياسة الأولي، ويبقى التروى شرطًا أساسيًا للنجاة. فالتاريخ لا يرحم من يستهين بتعقيد الواقع، ولا يعفى من المسئولية من اندفع دون حساب. وما بين قرارٍ متسرع وآخر مدروس، قد يتحدد مصير أمة بأكملها.









