أصيب كثيرون بالذهول من حجم الانكشاف الإيرانى أمام المخابرات الأمريكية، وكذلك المخابرات الإسرائيلية، حتى أن أدق التفاصيل عن تحركات وإقامة المرشد الأعلى، كانت مرصودة ومتاحة صوتًا وصورة لدى البيت الأبيض وفى تل أبيب.
الانكشاف ليس جديدًا ولا هو وليد اليوم، المسألة قديمة ومكررة، تعود إلى أكثر من سبعين عامًا، حتى أنه رغم اتضاح حجم الانكشاف فى حرب يونيو من العام الفائت، تبين صباح السبت الماضى أنه ازداد واتسع عما كان عليه قبل ثمانية أشهر، ولم يتراجع كما كان يجب أن يكون.
تستحق العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران أن تدْرَس على مَهَلٍ، هى علاقة خاصة ومتميزة، فيها قدر من الخصوصية الشديدة، ترتفع إلى درجة الحميمية حينا وقد تنقلب الى نفور وعداء، فى كل الأحوال نحن بإزاء طرفين لا يمكن لأحدهما الاستغناء عن الاخر، ودًا أو خصومة.
في سنة 1953، كانت الولايات المتحدة تتحسس طريقها في المنطقة لتلعب دور القوة العظمى وتبعد الشبح السوفيتي عنها، خاصة وأن إيران كان بها “حزب تودة” وهو يساري الفكر وقريب من موسكو أيديولوجيًا. بالإضافة إلى ذلك، فإن روسيا دولة حدودية مع إيران، وهكذا تدخلت الولايات المتحدة بغلظة لتزيح الدكتور محمد مصدق وتعيد الشاه الشاب -محدود الخبرة وقتها- محمد رضا بهلوي إلى العرش، بعد أن كان قد غادر البلاد نهائيًا.
كان محمد مصدق قد قام بتأميم شركة البترول الرئيسية في البلاد وكان محبوبًا في الشارع، وشاع صيته في المنطقة؛ زار مصر واستقبله النحاس باشا رئيس الوزراء، ودعي إلى لقاء في نقابة الصحفيين في شارع عبد الخالق ثروت، وبدا أنه نموذج ملهم يمكن أن يتكرر في أي بلد، فتقرر الخلاص منه.
كانت إيران أول حالة في منطقة الشرق الأوسط تتدخل فيها الولايات المتحدة على هذا النحو؛ نفذ العملية جهاز “السي آي إيه” وقاد “كيرمت روزفلت” -رجل المخابرات العتيد- العملية بنفسه، وتعد تلك العملية من مفاخر المخابرات الأمريكية في بداية عهدها، إذ تأسست سنة 1947. كشفت العملية قدرة المخابرات الأمريكية على العمل في شوارع طهران وغيرها من المدن، وقدرتها على تحريك “البازار” والشارع، ومع الأيام والسنوات ازدادت معرفة ودراية بالداخل الإيراني.
دارت الأيام دورتها واستُنفد الشاه محمد رضا بهلوي الغرض منه، وصار عبئًا على الغرب وعلى الولايات المتحدة، فترك لأخطائه الصغيرة والكبيرة، فضلاً عن أنه مع التقادم في الحكم وازدياد السطوة وكثرة الأموال، راح يتعامل معهم باعتباره ندًا؛ راودته أحلام إمبراطورية، وأراد أن يهيمن على الخليج العربي، وأُطلق عليه وقتها “شرطي الخليج” (يسمونه في إيران الخليج الفارسي)، كما راوده الحلم النووي، وهكذا تقرر الخلاص منه.

وكان البديل خصمه “آية الله خميني” ورجال الحوزة، وهم قوة روحية ومالية ضخمة في إيران. كان الخميني يأخذ على الشاه تأثره بالعادات والتقاليد الغربية، مثل السماح للمرأة بالتعليم دون ارتداء “الشادور”، وانتشار دور السينما والمسرح. وجدت الولايات المتحدة في الخميني البديل للشاه، وهكذا تم تدبير موقع له في فرنسا حين قرر صدام حسين إنهاء استضافته بالعراق.
لما تأزمت الأمور مع الشاه، عُرض الأمر على الرئيس الأمريكي جيمي كارتر، وأن هناك مظاهرات ضده في جامعة طهران، فقال يومها: “أود أن أرى إيران تُحكم ديمقراطيًا”، وكان معنى ذلك التخلص من الشاه والدفع بالبديل الذي ينتظر في فرنسا. الآن نعرف أن أشرطة التسجيل لخطب الخميني كانت المخابرات الفرنسية بالتنسيق مع الأمريكيين تتولى تسريبها إلى الجاليات الإيرانية في أوروبا، ومنهم تتسلل إلى الداخل.
العداءُ كان الأساس في علاقات إيران وأمريكا.. إيران تُطلق على أمريكا «الشيطان الأكبر»، وفي المقابل تضع الولايات المتحدة إيران ضمن «الدول الشريرة»، لكن هذه المصطلحات في جانب كبير منها للاستهلاك المحلي وشغل وسائل الإعلام
في لحظة معينة، مطلع سنة 1979، تقرر أن يعود الخميني إلى طهران مع رجاله المقربين. تسربت معلومة أن قائد سلاح الجو يخطط لضرب الطائرة بصاروخ بمجرد دخولها المجال الجوي الإيراني وقتل كل من فيها؛ ولإحباط هذا المخطط، تقرر أن يكون على متن الطائرة كلٌ من السفير الأمريكي في طهران والسفير الفرنسي، وأضيف للرحلة وفد صحفي من كبريات الصحف ووكالات الأنباء الدولية، ومن ثم بات من المستحيل إسقاط الطائرة وإلا وقعت كارثة دبلوماسية دولية يمكن أن تُستغل لشن هجوم كاسح على إيران كلها. ولم يكن غريبًا أن يطلب الخميني بمجرد هبوطه من قادة الجيش التخلي عن الحكم الإمبراطوري، ونفذوا ما طلبه منهم، وسقط حكم الشاه وقامت على أنقاضه الجمهورية الإسلامية.
في ظاهر الأمور، كان العداء هو الأساس في علاقات الجمهورية الإسلامية بالإدارات الأمريكية المتعاقبة؛ إيران تطلق على أمريكا “الشيطان الأكبر”، في المقابل تضع الولايات المتحدة إيران ضمن “دول الشر”، لكن هذه المصطلحات في جانب كبير منها للاستهلاك المحلي وشغل وسائل الإعلام. العلاقة ظلت في شد وجذب، لكن بقيت هناك خطوط حمراء؛ سُمح لإيران بالتغول في المنطقة العربية وبأن تبدأ مشروعًا نوويًا، وكان المطلوب فقط بعض التنسيق.
لكن شهدنا مواقف تلاقى فيها الطرفان، من ذلك حادث 11 سبتمبر سنة 2001؛ العملية نفذها تنظيم القاعدة بقيادة أسامة بن لادن، وقيل الكثير عن هذا الحادث وصدرت عشرات الكتب حوله. كان الحادث مساسًا بالهيبة الأمريكية، إذ لم يحدث منذ الهجوم الياباني على “بيرل هاربور” أثناء الحرب العالمية الثانية أن هُجمت الولايات المتحدة في عقر دارها. جن جنون الإدارة الأمريكية والرئيس جورج بوش الابن، وراحت مراكز الأبحاث تدرس وتحلل، ومن بين ما ذهبوا إليه أن تنظيم القاعدة يضم مسلمين من “السنة” وليس من بينهم “شيعة”، وهكذا أُلصق الإرهاب بالمسلم السني.
ولما بدأت الحرب على صدام حسين والعراق، كانت الفرصة الذهبية للجمهورية الإسلامية، وحدث التعاون بين الجانبين ضد صدام؛ كانت عملية 11 سبتمبر وبالاً على معظم الدول العربية، لكنها كانت “هدية” من الإرهابيين إلى الجمهورية الإسلامية. في حوار صحفي مع جريدة “الحياة” اللندنية، ذكر أحمد الجلبي أنه جهز قوات برية وتحرك من الحدود الإيرانية حتى دخل البصرة بالتزامن مع الهجوم الأمريكي على بغداد. إن إسقاط صدام وإطلاق يد الجمهورية الإسلامية في العراق كان ثمرة تعاون أمريكي-إيراني، ومن بغداد إلى دمشق امتدت الأذرع الإيرانية في عديد من المناطق، ولم تكن الولايات المتحدة بعيدة، بل كانت ترى وتعلم وتسمح طالما أن الأمر لم يقترب من خطوطها الحمراء.
في السياسة، يمكن أن تتضارب المصالح ويتقاطع النفوذ في لحظة، ويمكن أن يخطئ طرف في التقدير والحسابات فيكون التصادم وربما الحروب. والذي جرى أن عملية “السابع من أكتوبر” وقعت في غزة، وأشارت أصابع الاتهام إلى دور إيراني في التحريض، لكن لم يستطع أحد إثبات ذلك، غير أن الأذرع الإيرانية في جنوب لبنان واليمن تحركت في عملية إسناد لحماس، وهكذا صارت إيران هدفًا، خاصة مع صعود الرئيس دونالد ترامب. تعاملت إسرائيل مع الأذرع، لكنها قررت أن تذهب إلى “الرأس” أي إلى إيران مباشرة، وساند الرئيس ترامب ذلك التوجه.
لم يكن لإسرائيل أن تفكر وتقرر وتتحرك دون غطاء معلوماتي ومخابراتي؛ الواضح أنهم كانوا يستعدون منذ سنوات لذلك. عملية اغتيال رئيس المكتب السياسي لحماس وهو في طهران، في مقر إقامة سري ومحصن، كانت دليلاً على انكشاف مخابراتي واسع النطاق. لم يتمكنوا إلى اليوم من معرفة تفاصيل العملية ولا من قاموا بها. كانت المخابرات الإسرائيلية متواجدة رسميًا في سنوات الشاه، والواضح أنهم لم يتوقفوا بعده؛ ربما لم تكن لهم مقرات رسمية، لكنهم كانوا هناك طوال الوقت.
عادة حين يكون نظام الحكم عقائديًا ومتصلبًا، يسهل على أجهزة الاستخبارات أن تجد عملاء في داخله على استعداد للتجنيد مقابل أشياء بسيطة؛ عالم نووي إيراني جرى إعدامه عمل لصالح الموساد وسلم أستاذه لهم فاغتالوه، وكان المقابل تأمين خروجه من إيران والحصول على جواز سفر أجنبي.
في حرب الاثني عشر يومًا الصيف الماضي، اتضح أن الموساد الإسرائيلي لديه قواعد راسخة تعمل منذ سنوات، حتى إنهم أسسوا قاعدة للطائرات المسيرة في منطقة بالصحراء الإيرانية، وهذه المسيرات انطلقت ونفذت هجمات في الداخل. وحيثما تكون المخابرات الإسرائيلية، فهذا يعني أن المخابرات الأمريكية حاضرة ومتقدمة؛ لذا قال الرئيس دونالد ترامب في يونيو الماضي: “نحن نعرف مكان إقامة المرشد الأعلى علي خامنئي وكان بإمكاننا قتله، لكن لم نفعلها”. هذا اعتراف على الهواء من الرئيس الأمريكي بأنهم يعرفون أدق وأصعب سر في إيران، فما بالنا بما هو دون ذلك؟
هجمات صباح السبت أكدت هذا الانكشاف التام؛ اجتماع على أعلى مستوى يترأسه المرشد الأعلى ويحضره وزير الدفاع ورئيس الأركان، كل تفاصيل الاجتماع لدى المخابرات الأمريكية: التوقيت، مكان الاجتماع، عدد الحاضرين، واسم كل منهم وترتيب الجلوس حول المائدة، ثم تعلن إسرائيل أن الإدارة الأمريكية طلبت عدم اغتيال الرئيس مسعود بزشكيان للتفاوض معه.
ما بين الولايات المتحدة وإيران حبل ممدود؛ فالحرب ليست عداءً مطلقًا، بل هي أحيانًا محاولة لاستعادة “ود قديم” أو علاقات لن تنقطع، حتى لو حدثت الجفوة العنيفة.









