دخلت إيران مرحلة جديدة فى حسابات السياسة الخارجية، ليس فقط من زاوية الفراغ القيادي، بل من حيث إعادة تقييم أولويات الدولة فى ظل تصعيد عسكرى غير مسبوق وضغوط دولية متراكمة. فالمرشد الذى شكّل على مدار أكثر من ثلاثة عقود المرجعية العليا للقرار الاستراتيجي، كان يمسك بخيوط التوازن بين الانفتاح التكتيكى والمواجهة الأيديولوجية، خصوصًا فى ما يتعلق بالعلاقة مع الولايات المتحدة والملف النووى. واليوم، بينما تنشغل مؤسسات الحكم بترتيب البيت الداخلي، تطرح مراكز الأبحاث الدولية سؤالاً جوهريًا: هل تتجه إيران نحو تشدد أكبر فى سياستها الخارجية، أم نحو براجماتية محسوبة لاحتواء المخاطر؟
يرى مجلس العلاقات الخارجية الأمريكى أن السياسة الخارجية الإيرانية ليست رهينة بشخص المرشد وحده، بل هى نتاج منظومة مؤسسية متشابكة تضم مكتب القائد، والحرس الثوري، والمجلس الأعلى للأمن القومى. وبحسب تحليلات المجلس، فإن «عقيدة الردع الممتد» التى تعتمدها طهران فى الإقليم أصبحت جزءًا راسخًا من بنية الدولة، ما يجعل من غير المرجح حدوث تحول جذرى فورى فى توجهاتها الإقليمية.
لكن المجلس يشير فى المقابل إلى أن شخصية القائد الجديد ستؤثر فى «إيقاع»| السياسة الخارجية، لا فى جوهرها. فقيادة قوية قد تميل إلى التصعيد لإثبات الشرعية، بينما قد تفضل قيادة توافقية خفض مستوى التوتر مرحليًا لتأمين الاستقرار الداخلى.
من جهتها، ترى مؤسسة كارنيجى للسلام الدولى أن الحرس الثورى سيكون صاحب الصوت الأعلى فى رسم معالم المرحلة المقبلة، خصوصًا فى الملف النووى. وتشير المؤسسة إلى أن تصاعد التوتر العسكرى يمنح التيار المتشدد داخل إيران حجة لتعزيز خطاب «الاعتماد على الذات» ورفض تقديم تنازلات للغرب.غير أن كارنيجى تضيف أن الضغوط الاقتصادية الخانقة قد تدفع فى الاتجاه المعاكس، إذ تحتاج طهران إلى متنفس مالى يخفف من أثر العقوبات. ومن هنا قد يظهر تيار براجماتى يسعى إلى استئناف قنوات التفاوض مع واشنطن، ولو بصورة غير مباشرة.
تحليل صادر عن معهد بروكينجز الأمريكى يذهب إلى أن مستقبل المفاوضات مع الولايات المتحدة سيتحدد وفق معادلة مزدوجة: توازن القوى داخل القيادة الجديدة، ومستوى الضغوط الدولية. فالمعهد يرى أن أى استئناف للمحادثات النووية سيأتى ضمن إطار «تفاوض من موقع قوة»، بمعنى أن طهران قد تسعى أولاً إلى تثبيت قدراتها النووية كورقة ضغط قبل العودة إلى الطاولة.
ويضيف بروكينجز أن واشنطن، فى المقابل، ستواجه معضلة: هل تستغل لحظة الانتقال القيادى للضغط نحو اتفاق أشمل، أم تكتفى بتجميد التصعيد خشية انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع؟
أما معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى فيتوقع أن تشهد المرحلة الأولى بعد مقتل المرشد تشددًا فى الخطاب والمواقف، باعتبار أن أى قيادة جديدة ستسعى إلى إثبات قدرتها على حماية الخط الثورى. ويرجح المعهد أن تلجأ طهران إلى خطوات رمزية فى برنامجها النووي، مثل رفع مستويات التخصيب أو تقليص التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لتعزيز أوراقها التفاوضية، لكن المعهد يشير أيضًا إلى أن هذا التشدد قد يكون تكتيكيًا، ويهدف إلى تحسين شروط التفاوض لا إلى إغلاق الباب بالكامل.
على الضفة الأوروبية، يرى المجلس الأوروبى للعلاقات الخارجيةأن القيادة الإيرانية قد تميل إلى خفض حدة التوتر مع الغرب إذا رأت أن استمرار المواجهة سيهدد استقرارها الداخلى. ويشير المجلس إلى أن إيران سبق أن أظهرت مرونة تكتيكية فى لحظات حرجة، كما حدث فى مفاوضات الاتفاق النووى عام 2015، ويرى التقرير أن أى عودة إلى التفاوض قد تمر عبر وساطات إقليمية أو قنوات أوروبية، خاصة إذا تعذر التواصل المباشر مع واشنطن فى ظل أجواء التصعيد.
فى سياق أكثر عمقًا، تطرح مؤسسة راند الأمريكية احتمال أن تعيد إيران تقييم عقيدتها النووية على المدى المتوسط. فالمؤسسة ترى أن الضربات العسكرية التى طالت مواقع حساسة قد تعزز داخل النخبة الإيرانية قناعة بضرورة امتلاك قدرة ردع أعلي، سواء عبر تسريع البرنامج النووى أو تعزيز القدرات الصاروخية.لكن راند تحذر من أن أى خطوة نحو عسكرة البرنامج النووى بشكل صريح قد تستدعى ردًا دوليًا قاسيًا، ما يجعل طهران تميل إلى «المنطقة الرمادية» بين التصعيد والالتزام الشكلى بالاتفاقات الدولية.
تشير مجموعة الأزمات الدولية إلى أن مستقبل السياسة الخارجية الإيرانية سيبقى مرتبطًا بتوازنات الداخل. فإذا نجح النظام فى تثبيت انتقال سلس للقيادة، فقد يملك هامشًا أوسع للمناورة. أما إذا برزت انقسامات داخلية حادة، فقد تلجأ القيادة إلى التصعيد الخارجى لتوحيد الصفوف داخليًا.وتضيف المجموعة أن الملف النووى سيظل الورقة الأهم فى يد طهران، سواء كورقة ردع أو كأداة تفاوض.
فى المحصلة، تتقاطع تقديرات مراكز الأبحاث الدولية عند نقطة أساسية وهى أن السياسة الخارجية الإيرانية لن تشهد انقلابًا جذريًا فورًا، لكنها ستدخل مرحلة إعادة تموضع. فالمعادلة الجديدة تجمع بين الحاجة إلى إثبات القوة فى مواجهة خصوم خارجيين، والحاجة إلى احتواء الضغوط الاقتصادية والاجتماعية داخليًا.
والسيناريو الأكثر ترجيحًا، وفق غالبية التحليلات، يتمثل فى مزيج من التشدد الخطابى والتكتيك البراجماتى. أى أن طهران قد ترفع سقفها التفاوضى فى العلن، بينما تبقى الباب مفتوحًا لقنوات خلفية مع واشنطن، بحثًا عن اتفاق يخفف العقوبات دون أن يظهر بمظهر التراجع.
وبينما يترقب المجتمع الدولى ملامح القيادة الجديدة، يبقى مستقبل المفاوضات النووية مرتبطًا بقدرة الطرفين على إدارة لحظة الانتقال بحسابات دقيقة. فإيران ما بعد المرشد ليست دولة جديدة، لكنها دولة تعيد ترتيب أوراقها فى بيئة إقليمية ودولية أكثر اشتعالاً، حيث يصبح كل قرار خارجى امتدادًا مباشرًا لمعركة تثبيت الداخل.









