ولاية الفقيه صاحبة الكلمة الأولى..
ورئيس الجمهورية أعلى منصب «غير دينى»
فتح الإعلان عن مقتل المرشد الإيرانى على خامنئى فى الغارات التى شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل السبت الباب لتوقعات المرحلة المقبلة فيما يخص نظام الحكم فى إيران ومصير الحكم الدينى فى الجمهورية الإسلامية.
نظام الحكم فى إيران معقد، وله قاعدة شعبية هائلة فى البلاد، تساندها قوة الحرس الثوري، لذا يصعب التكهن بمدى صموده أو ضعفه فى مواجهة أى هجوم خارجي، أو ما قد يحدث بعد ذلك، وفق تقرير نشرته وكالة رويترز.
بموجب نظام «ولاية الفقيه» المعمول به فى إيران منذ إعلان الجمهورية الإسلامية بعد ثورة عام 1979، يجب أن يكون الزعيم الاعلى أحد رجال الدين، وذلك وفقا لرواية تتحدث عن انه حتى عودة الامام الشيعى الثانى عشر «المهدى المنتظر»، الذى اختفى فى القرن التاسع، يجب ان يمارس السلطة على الارض رجل دين كبير.
يمنح مبدأ «ولاية الفقيه» الشرعية المطلقة لقمة الهرم السياسي، متمثلة فى شخص المرشد الأعلي، الذى يجمع فى قبضته خيوط السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، فضلاً عن قيادة القوات المسلحة. ويعتبر المرشد الأعلى أهم منصب فى إيران، وبنص المادة الخامسة فى الدستور، يعتبر القائد الأعلى ولى الأمر، وإمام الأمة فى الجمهورية فى زمن «غيبة الإمام المهدى».
ولم تعرف إيران سوى مرشدين اثنين فقط منذ قيام الثورة الإسلامية الأول روح الله الخمينى ثم على خامنئى.
وتفصل المادة 109 من الدستور الصفات الواجب توفرها فى المرشد ومن بينها الكفاءة العلمية اللازمة للإفتاء فى مختلف أبواب الفقه، العدالة والتقوي، الرؤية السياسية الصحيحة والكفاءة الاجتماعية والإدارية والتدبير والشجاعة والقدرة الكافية على القيادة.
بينما تحدد المادة 110 من الدستور الإيرانى صلاحيات المرشد ومسؤولياته وتتضمن رسم السياسات العامة لنظام البلاد بعد التشاور مع مجمع تشخيص مصلحة النظام، والإشراف عليها، وإصدار الأمر بالاستفتاء العام، والقيادة العامة للقوات المسلحة، وإعلان الحرب والسلام والنفير العام، وتنصيب وعزل وقبول استقالة كل من: فقهاء مجلس صيانة الدستور، المسؤول الأعلى فى السلطة القضائية، رئيس مؤسسة الإذاعة والتلفزيون، رئيس أركان القيادة المشتركة، القائد العام لقوات حرس الثورة الإسلامية، القيادات العليا للقوات المسلحة.
كما تتضمن صلاحيات المرشد الأعلى وفقا للدستور حل الاختلافات بين أجنحة القوات المسلحة الثلاث وتنظيم العلاقات بينها، وحل مشكلات النظام التى لا يمكن حلها بالطرق العادية من خلال مجمع تشخيص مصلحة النظام.
ويتولى المرشد أيضا توقيع مرسوم تنصيب رئيس الجمهورية بعد انتخابه من قبل الشعب. وله صلاحية عزل رئيس الجمهورية مع أخذ مصالح البلاد بعين الاعتبار، بعد صدور حكم المحكمة العليا بمخالفته لوظائفه الدستورية، أو بعد تصويت مجلس الشورى الإسلامى بعدم كفاءته السياسية وفقاً للمادة 89 من الدستور.
وبخلاف المرشد الأعلي، تسيطر النخبة الدينية فى إيران على هيئات قوية يمتد نفوذها فى كل جوانب النظام السياسى. ويتألف مجلس خبراء القيادة من كبار المرجعيات الدينية من «آيات الله» وعددهم 88 خبيرا يتم انتخابهم شعبيا كل ثمانى سنوات، وهو الجهة المسؤولة عن تعيين الزعيم أو المرشد الأعلى. ويمنح الدستور هذا المجلس صلاحية مساءلة الزعيم الأعلي، بل وعزله أيضا، إلا أنه لم يفعل ذلك قط.
لكن، لا يمكن لأى أحد الترشح ليكون عضوا فى مجلس خبراء القيادة، وهناك شروط فضفاضة وغير محددة بشكل واضح يجب أن تنطبق على المرشح. كما أن القرار النهائى بقبول الترشح، يعود لـ«مجلس صيانة الدستور» الذى يمكنه استبعاد أى مرشح، وشطب اسمه من قائمة المتنافسين.
ويعتبر مجلس صيانة الدستور من الهيئات العليا فى الدولة ويشرف على عمل المؤسسات التشريعية الأخري، ويقابله فى بلدان أخرى ما يسمى «المحكمة الدستورية». يتكون مجلس صيانة الدستور من 12 عضوا «6 فقهاء يعينهم المرشد و6 حقوقيين يعينهم رئيس السلطة القضائية الذى يعيّنه المرشد».. والمجلس مختص بالنظر فى كل ما يتعلق بالانتخابات «البرلمان، الرئاسة، مجلس الخبراء»، وبالمترشحين، وقبولهم أو استبعادهم.
ويمكن لمجلس صيانة الدستور أن يستخدم حق النقض لحجب قوانين أقرها البرلمان وأن يستبعد مرشحين للانتخابات، وهى صلاحيات استخدمها بالفعل لمنع منتقدين لخامنئى من الترشح.
أما مجلس تشخيص مصلحة النظام فهو المسؤول عن الفصل بين مجلس الشورى ومجلس صيانة الدستور، إذا ما رأى الأخير أن الأول يخالف مبادئ الشريعة، أو الدستور ويتولى المرشد العام تعيين الأعضاء الدائمين وغير الدائمين لهذا المجمع. ويتولى أعضاؤه صياغة وإقرار قواعد عمله بعد موافقة القائد عليها.
وبحسب المادة 112 من الدستور الإيرانى «يجتمع مجمع تشخيص مصلحة النظام، بأمر من القائد، فى أى وقت يرى مجلس صيانة الدستور أن مشروع قرار مقترح من مجلس الشورى الإسلامى يخالف مبادئ الشريعة أوالدستور، ولم يستطع مجلس الشورى الإسلامى تلبية توقعات مجلس صيانة الدستور. كما يجتمع المجلس لدراسة أى قضية تحال إليه من القائد ولتولى أى مسؤولية أخرى مذكورة فى الدستور».
وبرغم سيطرة نظام الملالى على السلطة، ينتخب الإيرانيون رئيسا وبرلمانا لولاية مدتها أربع سنوات. ويعين الرئيس حكومة تتولى إدارة الشؤون اليومية ضمن حدود ما يسمح به الزعيم الأعلى.
وحسب الدستور الإيراني، يعتبر رئيس الجمهورية أعلى سلطة «رسمية» فى البلاد بعد المرشد الأعلى. وهو المسؤول عن تنفيذ الدستور، ورئيس السلطة التنفيذية إلا فى المجالات التى ترتبط مباشرة بالمرشد.
وبخلاف الجيش النظامي، الذى يخضع لوزارة الدفاع فى حكومة منتخبة، يتلقى الحرس الثورى الإيرانى أومره مباشرة من الزعيم الأعلى.
تأسس الحرس الثورى بعد فترة وجيزة من الثورة الإسلامية، وتوسع دوره فى حماية النظام الإسلامى بشكل كبير خلال الحرب مع العراق 1980-1988، ليصبح اليوم أقوى وأكثر تشكيلات القوات المسلحة الإيرانية تجهيزا.
وعلى مدى العقود الماضية، وسع الحرس الثورى نفوذه فى المشهدين السياسى والاقتصادى مما أكسبه قوة فى الداخل والخارج.
وقاد فيلق القدس، وهو وحدة نخبة تابعة للحرس الثوري، استراتيجية إيران فى المنطقة لدعم جماعات شيعية فى أنحاء الشرق الأوسط، خاصة فى لبنان والعراق. وتلقت هذه الاستراتيجية ضربة بعد اغتيال الولايات المتحدة لقائد فيلق القدس قاسم سليمانى فى غارة جوية بالعراق فى 2020، وقصف إسرائيل لجماعة حزب الله اللبنانية فى حرب فى 2024.
وبمقتل المرشد الإيرانى على خامنئى تبدأ مرحلة انتقالية جديدة فى إيران تتقاطع فيها الحسابات الدستورية مع توازنات القوة داخل المؤسسة الدينية والأمنية، وسط ضغوط خارجية.
يؤكد تقرير حديث صادر عن مؤسسة كارنيجى للسلام الدولى أن النظام الإيرانى صُمم ليضمن استمرارية ولاية الفقيه حتى فى حال غياب القائد، عبر شبكة مؤسسات متداخلة تضمن عدم انهيار السلطة المركزية. لكن التقرير يشير فى الوقت ذاته إلى أن شخصية المرشد كانت تمثل عنصر التوازن الحاسم بين التيارات المتنافسة داخل النظام، ما قد يجعل عملية اختيار الخلف أكثر تعقيدًا.
من جهته، يرى مجلس العلاقات الخارجية الأمريكى أن مجلس خبراء القيادة سيواجه اختبارًا حقيقيًا؛ إذ لم يسبق أن تم اختيار مرشد جديد فى ظل تصعيد عسكرى خارجى بهذا الحجم. ويشير المجلس فى تحليله إلى أن سرعة الحسم ستكون ضرورية لطمأنة الداخل ومنع أى اهتزاز أمني، لكن ربما السرعة قد تأتى على حساب التوافق الواسع داخل المؤسسة الدينية.
أما معهد بروكينجز فيلفت إلى أن توازن القوى داخل النظام لم يعد محصورًا فى رجال الدين فقط، بل بات للحرس الثورى نفوذ حاسم فى رسم ملامح القيادة المقبلة، سواء بشكل مباشر أو عبر التأثير فى أعضاء مجلس الخبراء.









