الخبراء: تحديات غير مسبوقة فى الخليج وثلاثة سيناريوهات للتعامل
تنويع مصادر الاستيراد وزيادة الخيارات اللوجستية وتعزيز المخزونات الإستراتيجية
الذهب هو الملك والاحتفاظ بالكاش ضرورة والابتعاد عن المضاربة
فى مشهد مرتبك تتصاعد أحداث الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية على إيران، دافعة كافة الأطراف للدخول فى نطاق الصراع، الأمر الذى ينعكس مباشرة على الأسواق العالمية، وحركة المستثمرين، ليصبح الاقتصاد العالمى أمام أكبر صدمة ممكنة تضرب شرايين التجارة والطاقة، خاصة بعد غلق مضيق هرمز والذى يمر من خلاله 20 % من حجم النفط العالمي.
ويحذر الخبراء من تداعيات الحرب على اقتصادات المنطقة، وتحديدا دول الخليج العربي، مضيفين أن العالم سيواجه موجة جديدة من إعادة تسعير المخاطر، وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وتزايد الضغوط التضخمية، مؤكدين أن الاستثمارات تتجه نحو الملاذات الآمنة وسط حالة غير مسبوقة من عدم اليقين.
أكد دكتور عبد المنعم السيد، مدير مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية والإستراتيجية أن امتداد الحرب و توسع نطاقها سيمثل نقطة تحول خطيرة فى المشهد الجيوسياسى والاقتصادى لمنطقة الشرق الأوسط والعالم، موضحا أن شدة التأثير تعتمد على ثلاثة متغيرات رئيسية وهي: «استمرارية العمليات العسكرية ومدتها الزمنية، وسلامة الممرات الاستراتيجية مضيق هرمز، و باب المندب، والبحر الأحمر، والمتغير الثالث هو نطاق الردود الإقليمية وتوسّع مسرح العمليات».
وتابع أن المنطقة تعد شريانًا رئيسيًا للطاقة العالمية وأى اضطراب عسكرى واسع النطاق ستكون له انعكاسات فورية على أسواق المال والطاقة وسلاسل الإمداد والتجارة الدولية.
وبالفعل زادت أسعار برميل النفط 2 ٪ فى صباح اليوم الأول للحرب ليتجاوز 72,5 دولار مع توقع بزيادته مع استمرارية الحرب، مؤكدا أن أول التأثيرات المباشرة ستظهر فى سوق النفط العالمي، حيث من المتوقع أن ترتفع الأسعار بصورة حادة نتيجة المخاوف من تعطل الإمدادات. ويمر عبر مضيق هرمز أكثر من 20 ٪ من تجارة النفط العالمية المنقولة بحرا وهو ما يجعله أحد أهم الممرات الإستراتيجية فى العالم ومع إغلاقه فإن أسعار النفط قد تقفز إلى مستويات قياسية تتجاوز 120 أو حتى 150 دولارًا للبرميل إذا استمرّت الحرب لفترة طويلة و اتسع نطاقها.
وتابع: إن هذا الارتفاع لن يقتصر تأثيره على الدول المستوردة للطاقة فقط، بل سيمتد إلى زيادة تكلفة الإنتاج عالميًا، وارتفاع معدلات التضخم و موجة من زيادة الاسعار عالميا، مشيرا إلى أنه من المتوقع ارتفاع تكاليف التأمين على السفن والشحن البحرى فى المنطقة، نتيجة تصنيفها كمناطق عالية المخاطر. وســترتفع أقسـاط التأمين البحرى بنسب قد تصل إلى 30 ٪ أو 50 ٪ فى بعض المسارات، وهو ما ينعكس مباشرة على أسعار السلع المستوردة، خاصة الغذاء والمواد الخام. وستتأثر سلاسل الإمداد العالمية.
وقال إن من التداعيات المباشرة أيضًا تراجع حركة التجارة عبر قناة السويس خاصة مع توجيه ضربات صاروخية ايرانية على العديد من دول الخليج العربى والبحر الأحمر مع احتمالية إغلاق مضيق باب المندب من قبل الحوثيين قد يدفع بعض شركات الملاحة إلى تغيير مساراتها أو تقليص رحلاتها.
وعلى مستوى أسواق المال، من المتوقع خروج جزء من الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة، أو ما يُعرف بـ «الأموال الساخنة»، من الأسواق الناشئة إلى الملاذات الآمنة مثل الذهب والدولار والسندات الأمريكية. هذا النزوح الاستثمارى سيضغط على أسعار الصرف، ويرفع تكلفة الاقتراض، ويزيد أعباء خدمة الدين العام، وهو ما قد يؤدى إلى اتساع عجز الموازنة وارتفاع الدين الخارجى فى عدد من دول المنطقة.
وأكد أن استمرار الحرب لفترة ممتدة قد يدفع الاقتصاد العالمى إلى موجة ركود جديدة، خاصة إذا اقترنت بارتفاع أسعار الطاقة وتشديد الأوضاع المالية. وفى هذه الحالة، ستتراجع معدلات الطلب العالمى على الصادرات.
وأوضح أن التحدى الحقيقى أمام مصر ليس فقط فى امتصاص الصدمة قصيرة الأجل، بل فى تحويل الأزمة إلى فرصة لإعادة هيكلة أولويات الاقتصاد وتقليل خضوعه للصدمات الخارجية، مؤكداً أن الحكومة تبذل جهوداً كبيرة للتعامل مع تداعيات الأزمة، مشيراً إلى أن إدارة المرحلة الحالية فى مصر تتطلب انضباطًا ماليًا مرنًا، وسياسة نقدية يقظة، وتحركًا دبلوماسيًا نشطا، ورسالة ثقة واضحة للأسواق والمستثمرين.
قال محمد يوسف الباحث المتخصص فى شؤون دول مجلس التعاون الخليجي، إن مضيق هرمز دخل، فى أتون الصراع لا هامشه، وهو الممر الأهم لصادرات النفط والغاز ويمكن أن يتحوَّل خلال ساعات إلى نقطة خنق حرجة، وتعطيل لحركة الملاحة، مايرفع علاوات المخاطر، ويقفز بأسعار التأمين، ويدفع أسعار النفط إلى مستويات مرتفعة قد تتجاوز المائة وعشرين دولارًا للبرميل فى المدى القصير، مع تقلبات عنيفة فى الأسعار التى قد تتضاعف ثلاث مرات وفقًا لمسار العمليات!
وأوضح أنه مع أولى الضربات؛ بدأت عملية إعادة تسعير شاملة للمخاطر فى المنطقة، لافتا إلى أن أسواق الأسهم الخليجية، ستواجه ضغوطات بيع واسعة، مدفوعة بقلق المستثمرين الدوليين من اتساع نطاق المواجهة، يتبعه كذلك سعى رؤوس الأموال الأجنبية قصيرة الأجل للخروج أو تخفيض الانكشاف، ما يزيد من التذبذب ويضغط على التقييمات.
وتوقع أن ترتفع عوائد السندات السيادية بسبب ارتفاع علاوة المخاطر ما يعنى زيادة فورية فى كلفة التمويل للمشاريع الكبري؛ وإعادة جدولة بعض برامج الاقتراض أو تأجيلها. وربما ستضع الدول التى بنت احتياطيات سيادية واحتياطيات نقد أجنبى كبيرة فى وضع أفضل لقدرة الامتصاص وتثبيت الثقة، بينما الدول ذات الحيز المالى الضيق؛ ستحتاج إلى تحرك أكثر حذرًا وإلى رسائل طمأنة واضحة للأسواق.
وتابع: إن الصدمة الأولى للحرب ستظهر سريعًا فى أسعار الطاقة والنقل، ثم سُرعان ما تنتقل إلى الغذاء والسلع الأساسية؛ نتيجة ارتفاع الكُلفة اللوجستية وتعطل أجزاء من سلاسل الإمداد البحرية فى الخليج وربما فى البحر الأحمر إذا امتد التوتر أو استخدمت إيران ووكلاؤها أوراق الضغط فى مناطق أخري! فضلاً عن أن ارتفاع أسعار النفط؛ سيغذِّي، لا محالة، الضغوط التضخمية فى الاقتصادات المستوردة عالميًا، لكن دول الخليج؛ ستواجه نفسها تضخمًا مستوردًا فى الغذاء والمواد الخام والسِّلع المُصنَّعة؛ ما يعنى ضغطًا على مستويات المعيشة، خصوصًا للشرائح الأقل دخلاً والعمالة الوافدة.
وأضاف أنه مع انتقال المواجهة إلى مستوى الحرب المفتوحة، يرتفع احتمال شن هجمات سيبرانية تستهدف الأنظمة المالية وشبكات الكهرباء ومنشآت النفط والغاز، والموانئ، ومشغلى الاتصالات فى دول الخليج، سواء من جانب إيران أم من مجموعات حليفة لها أم حتى من أطراف ثالثة تستغل حالة الفوضي.
أوضح دكتور باسم حشاد ، الخبير الاقتصادى والمستشار الدولى بالأمم المتحدة، أن الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران لها تداعيات قصيرة وطويلة المدى على المنطقة، مشيرا إلى أن إيران تستخدم مضيق هرمز فى الصراع مما يعنى اختناق شريان الطاقة العالمي، خاصة وأن 20 % من النفط العالمى يمر من خلاله، ولا توجد بدائل لتعويض التعطل، مما يعنى توقف الشحنات وتعطل الامدادات.









