الزواج ميثاق الرحمة والتحكيم العائلى طريق استقرار

رحلة حياة استثنائية خط ملامحها منذ الطفولة حين أتم حفظ القرآن الكريم قبل سن العاشرة، ثم صعد منبر صلاة الجمعة فى الرابعة عشرة، ليبدأ مسارًا دعويًا جعله واحدًا من أبرز الأصوات المنادية بالوسطية والقيم النبيلة.. الدكتور أحمد البصيلى أحد علماء الأزهر الشريف يؤكد أن الرجولة الحقيقية تكمن فى الثبات على المبدأ والصدق مع الله والناس.. وأن الدين ليس شعارات ترفع بل منهج عملى لمواجهة تحديات العصر من الغزو الفكرى إلى تأثير الإعلام الرقمى على وعى الشباب.. ويرى أن رمضان شهر كريم يعزز الصبر ويضبط النفس ويُعَلِّم الاكتفاء بالقليل، ويجعل الصيام والصمت إلى مساحة للتأمل فيغرس قيم التكافل والمودة والرحمة بين أفراد المجتمع، مستعرضًا رؤيته فى بناء أسرة مستقرة وتحصين الشباب فكريًا وروحيًا، مستلهمًا عمق التراث الإسلامى وإمكانية تقديمه نموذج عصرى يواكب تطلعات الجيل الجديد، ويقدم تجربة فكرية وإنسانية ثرية ويطرح دروسًا عملية فى الصبر والوعى وفهم الدين بروحٍ تجمع بين الحكمة والواقعية والقدرة الواضحة على مواجهة تحديات العصر بثبات وبصيرة.
> كثيرون يعرفونكم من خلال الفيديوهات المتنوعة على الفيس بوك.. حدثنا عن القيم التى تشكل جوهر شخصيتك ومسيرتك؟
إنسان يسعى جاهدا لأن يكتب عند الله «رجلا» بالمعنى القرآنى للكلمة، رجلا يجسد الصدق والوفاء بالعهد، وأؤمن أن الرجولة الحقيقية لا تقاس بالمواقع أو المكاسب بل بالثبات على المبدأ، وأرى أن هناك فارقا كبيرا بين أن يكون الإنسان صاحب مبدأ أو صاحب مصلحة، فالمبادئ تصنع خلودا فى ذاكرة التاريخ بينما المصالح تستهلك أصحابها سريعا، لذلك أضع الصدق مع الله والناس، والثبات على القيم فى صدارة أولوياتى باعتبارها البوصلة التى توجه خطواتى فى الحياة.
> متى بدأت رحلتكم مع الدعوة إلى الله وما أبرز المحطات التى شكلت الوعى الدعوى عندكم؟
>> بدأت رحلتى مع الدعوة من جذور مبكرة وعميقة، حين شرعت فى حفظ القرآن الكريم وتجويده فى سن صغيرة تحت إشراف والدى – رحمه الله – الذى كان يحرص على جمع أطفال وشباب القرية لتحفيظهم كتاب الله، وأتممت الحفظ فى العاشرة من عمرى، لتبدأ بعدها ملامح الوعى الدعوى فى شخصى مرورا بمحطات فارقة، كان من أبرزها اعتلائى المنبر لأول مرة لإلقاء خطبة الجمعة وأنا فى الــ14 ثم إمامتى للمصلين فى صلاة التراويح بينما كنت لا أزال طالب بالصف الثانى الإعدادى، ومنذ ذلك الحين أصبحت الدعوة بالنسبة لى كالماء للجسد، وكالأنفاس التى لا يمكن الاستغناء عنها، وأصبحت صلتى بالدعوة صلة وجودية جعلتنى أشعر أننى مثل السمكة التى إن فارقت الماء أو ابتعدت عنها يوما لا تستطيع التنفس،لتصبح مسيرتى الدعوية بمثابة كيان حيى يربط أمسى بيومى وغدي.
> كيف ترون دور وسائل الإعلام الحديثة فى نشر الخطاب الدينى الوسطى وما ضوابط الداعية عند ظهوره إعلاميا؟
>> أدوات العصر الرقمى تفرض علينا تحويل وسائل الإعلام الحديثة بمختلف أشكالها من «هَمٍّ» إلى «هِمَّةٍ»، ومن «تهديد» إلى «فرصة نجاح» لاستثمار وعى الأمة وعدم التعامل معها من زاوية سلبياتها،مستلهمين فى ذلك النموذج النبوى بالمدينة المنورة، حيث يُقَدم درس فى الاحترافية فى التعامل مع الشائعات والفقر والوعى الجمعى وتطوير الجوانب الإيجابية بذكاء وهدوء دون تصادم، ويجبعلى الدعاة استثمار هذه الوسائل فى بث الطمأنينة والأمل وصنع غد أفضل وتلبية احتياجات العصر بمشروعات فكرية وتوعوية تواكب المتغيرات، والإفادة من تراث العلماء والمفكرين والأدباء والشعراء وعدم الاتكال عليه، والإفادة من خبراتهم وماتركوه، والبناء فوقه بمسؤوليةوتقديم نموذج عصرى يليق بالجيل الحالي.
> كداعية.. كيف ترى أسباب التطرف الديني؟ وما هى وسيلة تحصين الشباب فكرياً؟
>> ينقسم التطرف إلى نوعين دينى ولا دينى، أما التطرف الدينى فيتجسد فى تيارات مثل جماعة الإخوان الإرهابية، والمتطرفين من التيار السلفى، وبعض النماذج المتطرفة من الشيعة، إضافة إلى الجماعات المسلحة مثل داعش والقاعدة وغيرهامن الصنائع الاستخباراتية التى تهدف تشويه صورة الإسلام والإيقاع بين الناس والدين مستخدمين شرعنة زائفة لأفعالهم الإجرامية، أما التطرف اللادينى كضحايا الشيوعية والماركسية والصراعات السياسية الكبرى، مثل الحربين العالميتين، وقصف هيروشيما وناجازاكى، وهنا يبرز الدور المحورى للمؤسسات الوطنية مثل: الأزهر، والكنيسة، ووزارات التعليم والثقافة، فى تفكيك هذه الأفكار الظلامية واجتثاثها من جذورها قبل تحولها إلى أفعال إجرامية، كما يبدأ تحصين الشباب فكريا من خلال إشباع النهم الدينى للمواطنين عبر القنوات الشرعية والرسمية، لمنع لجوئهم لخطاب المتطرفين مع تعزيز قيمة المناصحة والحوار كمنهج مقدس يحمى الوطن من ويلات التناحر، ويحفظ طاقات الشباب من الوقوع فى براثن الانتماءات الهابطة.
> شبابنا يتعرضون لعمليات غزو فكرى.. بما تفسر ذلك؟
>> تكمن خطورة الغزو الفكرى أنه يلهينا عن فرص التعمير والبناء ويجعلنا مشغولين بقضايا ثانوية وهامشية، بعيدا عن الدور الحقيقى المطلوب، وفى زمن الفضاء المفتوح والغزو الإلكترونى والاقتصادى يسعى هذا الغزو إلى تزييف طبيعتنا الفطرية وتحريفها، مستهدفا جسدنا وروحنا وفكرنا، حتى فى جانبنا الدينى بما يجعل المجتمعات فى حالة شك دائم أو إلحاد صارخ، مما يسهل على المحتل العبث بمقدراتها، ويجعل الناس كالغنم الشاردة، فالغزو الفكرى اليوم يتخذ أبعادا جديدة عبر حروب الجيل الرابع والخامس والسادس، حيث يمكن للعدو عبر الموبايل ووسائل الإعلام والسينما الوافدة أن يشكل ميول وأهواء الشباب ويجندهم دون حاجة لجواسيس تقليديين مستغلا الإمكانيات الذاتية للشباب لصالح أجنداته داخل المؤسسات والدين وحتى المساجد والكنائس والهدف إبقاؤنا فى ظلام وتخبط بينما يعمل العدو على الإنتاج والابتكار، لذلك دور الدعاة يتمثل فى توعية الشباب بهذه الأساليب والألاعيب وإرشادهم للتركيز على ما ينفعهم عند الله ويقربهم من رضا الله بدل الانشغال بالمخرجات التافهة والهابطة التى تشغل نسبة كبيرة من الشباب اليوم.
> ما الرسائل التى يحملها شهر رمضان فى تعزيز التكافل الاجتماعي؟
>> رمضان يحمل رسائل متعددة نفسية ومجتمعية وأسرية، فمن الناحية النفسية، يوجهنا إلى تقليل 4 أمور: «الكلام والنوم والطعام والاختلاط بالخلق» لأن كثرة الاختلاط قد تؤدى إلى سوداوية على القلب وتضييع للمال والوقت وانتشار الغيبة والنميمة، والهدف أن نخرج من علاقاتنا مع الآخرين سالمين على الأقل مع المحافظة على نقاءالقلب وصفاء النفس، أما الرسائل المجتمعية فإننا نتعلم من رمضان قيمة الحرمان المشروع، وتأديب النفس بالجوع، والخضوع لله والخشوع، ليشعر الغنى بمعاناة الفقير، ويحتوى المجتمع بعضه بعضا، كما يرسخ معنى الوحدة والتكافل، وأن نكون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، ويعلمنا أيضا أن التكاليف تكون أخف فى الجماعة وأثقل عند الانفراد، لذلك فإن الصيام المشترك والإفطار الجماعى يرسخان روح التعاون والمشاركة، أما الرسائل على مستوى الأسرة فإن رمضان يعلمنا الصبر وضبط النفس، فالصوم والصمت مرتبطان، فمثلا فى العلاقة الزوجية يحث الشرع على التعامل مع الزوجة بطريقة إنسانية راقية، وعدم الانجراف وراء الشهوات أو الانفعالات اللحظية، ليصبح الصيام تدريبا على ضبط النفس واكتساب الحكمة فى التعامل مع الآخرين،ويغير رمضان نظرتنا اليومية للأشياء فيعلمنا أن الإنسان قادر على الاكتفاء بالقليل، وأن الإرادة والقوة الداخلية أهم من الملذات الآنية، ويدعم فينا قيمة «الاستغناء» وعزة النفس، كما جاء فى قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب معالى الأمور ويَكْره سفاسفها»، باختصار رمضان يُرسخ فينا الصبر والاعتدال والتكافل الاجتماعى، ويعلمنا أن نعيش حياتنا بِقِيمٍ رفيعة وأن نعزز سلامنا الداخلى ومساهمين فى وحدة المجتمع.
> لماذا أصبح تأهيل المقبلين على الزواج ضرورة مجتمعية؟
>> لضمان استقرار الأسرة يجب عدم إخراج الخلافات الزوجية خارج عتبة البيت والحفاظ على خصوصية ما يدور داخل الجدران بعيدا عن المحاكم والتشهير، فالعلاقة الزوجية تقوم على المودة والرحمة، فإذا غابت المودة وجب أن تحل محلها الرحمة، أما اللجوء إلى القانون فى الخلافات الزوجية غالبا لا يحل وقد يسلب الزوجين إرادتهما ويجعل منهما متفرجين على مصير حياتهما، وادعو إلى إحياء المنهج القرآنى فى الإصلاح عبر حكماء من الأهل قبل تفاقم الأمور، فأن الزواج ليس ميدانا لتصفية الحسابات الشخصية بل فرصة لتصفية النوايا وبناء جسور التفاهم والسكينة، فالخلافات يجب أن تحل بهدوء داخل البيت بعيدا عن فضاء الاستعراض أو التدخل القانونى فالقانون قد يتدخل فقط على استحياء لإصلاح ما انكسر، لكنه لا يدرك تفاصيل المشاعر الإنسانية، فالزواج ميثاق غليظ يُبنى على صفاء النية والرحمة لا على الانتقام أو الانتقال إلى المحاكم، فتحكيم أهالى الزوجين وفق المنهج القرآنى السبيل الأمثل لإصلاح العلاقة وبناء أسرة مستقرة، ولا بد أن تحل الخلافات بهدوء وسكينة وطمأنينة، فليست العلاقة الزوجية ميدانا لتصفية الحسابات وإنما مجال لتصفية النيات، لذا من الضرورى كتمان أسرار البيوت، فالقانون هو القوة الصلبة التى لا تدرك تفاصيل المشاعر الإنسانية، لذا يجب استبداله بمنهج الرحمة والتحكيم العائلى الهادئ.
> حدثنا عن الرسالة التى تحرصون على توصيلها للشباب من خلال برامجكم الإعلامية؟
>> «خطة» تعد دليلا لبناء الشخصية السوية من 3 محاور: اجتناب المحرمات فى العلاقات والمال، والموازنة الدقيقة بين العبادات «الشعائرية» و«التعاملية»، و«الاستثمار فى الروح» والمداومة على أذكار يومية فى الاستغفار، والصلاة على النبى، وأوراد قرآنية خاصة سورتى «يس والواقعة» وترديد قول: «لا إلا إلا الله» لتقوية الإرادة وتطهير القلب من الشهوات، مع فضيلة «الأدب» باعتباره القيمة العليا التى تحمى الإنسان وتجعله فى حال ميسور وقلب مسرور فى كل الأوقات، فالمؤدب دائما مستور ومنصور.









